صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٧ - مقدمة
الفوق[١]، و لهم في ذلك مقالات زائفة خرافية أعرضنا عن التحدث عنها. و الذي يمكن أن يستدل به لقولهم وجوه:
١- إنّ كل موجود فهو متحيز، أو حالّ فيه بالضرورة العقلية.
٢- كل موجودين فإمّا أن يتصلا، أو ينفصلا، فالواجب إن كان متصلًا بالعالم أو منفصلًا عنه يكون متحيزاً؛ لأنّ الاتصال و الانفصال إنّما هما بالمكان.
٣- إنّه إمّا داخل العالم، أو خارجه، أو لا داخله و لا خارجه، و الثالث غير معقول، و الأوّلان فيهما المطلوب.
٤- الظواهر النقلية كقوله تعالى: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى[٢]، و قوله: وَ جاءَ رَبُّكَ[٣]، و نحوهما، و هو كثير في القرآن.
أقول: قد عرفت في أول هذا الكتاب أنّ الظواهر الشرعية متى تصادمت مع الأحكام العقلية القطعية لا بد من طرحها إن لا يثبت سندها، أو تأويلها إن صح سندها، و لذا قد ذكر العلماء لكلّ من هذه الآيات تأويلًا، و في المراجعة إلى أخبار أئمة أهل البيت- سلام الله عليهم- غنّى و كفاية.
و أمّا بقيّة الوجوه فهي من أحكام الوهم المجرّد، و لا يصدّقها العقل أبداً. بل العقل قد استقلّ بنفي المكان و الجهة عنه تعالى كما دريت. و السائر في المسائل العقلية لا بدّ من تخليص نفسه من حضيض الوهم إلى صقع العقل لينان الحقائق و المعارف. و إذن يمكن لنا أن نختار الشقّ الثالث، و أنّه تعالى ليس بداخل و لا خارج، و ليس بمتصل و لا بمنفصل. و لنا أن نختار الشقّ الأول، و أنّه داخل و متصل بالأشياء، لكن لا كدخول شيء في شيء و اتصال شيء بشيء كما يتوهّمه الوهم. و لنا أن نختار الشقّ الثاني، و أنّه تعالى خارج و منفصل عن الأشياء، لكن لا كخروج شيءٍ عن شيء و انفصال شيء عن شيء، كما لا يخفى على العقول الصافية. فهو في الأشياء كلّها غير متمازج بها و لا بائن عنها، و لم يقرب من الأشياء بالتصاق، و لم يبعد عنها بافتراق، كما روي عن الوصي (ع).
[١] - شرح المواقف ٣/ ١٦.
[٢] - طه ٢٠/ ٥.
[٣] - الفجر ٨٩/ ٢٢.