صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٦٤ - القاعدة السابعة في وجوب اللطف عليه تعالى
من المكلّف المأمور، و كل ما يتوقف عليه الغرض فهو واجب، فينتج أنّ اللطف واجب على المكلّف الأمر. أمّا الصغرى فلأن الغرض من التكليف هو امتثال أوامر الله و الانتهاء عن نواهيه، و هما موقوفان على كل ما يقرّب العبد إليهما و يبعده عن تركهما. و أمّا الكبرى فلأنّ المريد من غيره فعلًا من الأفعال إذا علم أنّ ذلك الغير لا يفعل الفعل المراد إلا بنوع ملاطفة و تأدّب من المريد معه، و لم يفعل التأدّب المذكور لذمّه العقلاء؛ لأنّه ناقض لغرضه.
مثلًا: من دعا غيره إلى طعام و هو يعلم أنّ المدعوّ لا يجيبه إلّا أن يستعمل معه نوعاً من التلطف و التأدب، فإذا لم يفعله الداعي كان ناقضاً لغرضه، و هكذا الشارع الأقدس فإذا علم أنّ المكلف لا يطيع إلا بلطف لا بد له أن يفعله، و إلا فلو كلّفه بدونه لكان ناقضاً لهدفه و هادماً لمطلوبه، و هو قبيح بلا ريب.
و إن شئت فقل: ترك اللطف نقض للغرض، و نقض الغرض قبيح، فترك اللطف قبيح. ثم قل: لو كان ترك اللطف قبحياً لكان فعله واجباً بلا شك، لكنّ تركه قبيح، فينتج أنّ فعله واجب.
هذا، و لكنّ هذا الدليل عندي غير قابل للاعتماد في إثبات مثل هذه المسألة العظيمة، فإنّه مزيّف بوجهين:
الأول: أنّه لو تم لتمّ في خصوص من يعلم الله امتثاله للتكليف المتوجه إليه بعد فعل اللطف، و أمّا في حق من يمتثل التكليف و يطيع الله و لو من غير اللطف المذكور، أو في حق من لا يمتثل أمره و نهيه تعالى و إن فعل من ألطاف كما قال الله تعالى في حقهم: وَ لَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَ كَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَ حَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا، فلا يتم أصلًا و وجهه أيضاً ظاهر غير مستور.
الثاني: أنّ الغرض من التكليف هو استكمال نفوس المكلفين و انتظام أمور معاشهم و معادهم، و هذا الاستكمال لا يحصل إلّا بكون المكلف مختاراً غير مجبور على أحد طرفي المأمور به، فالذي تحتاج إليه حجية التكليف و به يحصل غرض المولى هو تمكين المكلّف- بالكسر- و إعلامه المكلّف- بالفتح- ليتمكن من الامتثال، و لا يعتبر أزيد من ذلك شيء أصلًا، فلو لم يفعل المكلف لطفاً بالمأمور و ترك الامتثال كان عاصياً مستحقاً للعقاب، و لم يمكن الأمر ناقضاً لغرضه و هادماً لهدفه، فإنّ غرضه لم يتعلّق بفعل الطاعة عن المكلّف كيفما اتفق، و إلا لوقع الفعل جبراً و بلا إرادة المأمور، بل الغرض هو إتيان المأمور ما أمر به من اختياره، و هذا النحو من الغرض لا يتوقف على فعل اللطف المذكور لحصوله بمحض تمكن العبد، فالمقدمة