صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٦٦ - فائدة
رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فأخبر أنّه لو منعهم اللطف في بعثة الرسل لكان لهم أن يسألوا بهذا السؤال، و لا يكون لهم هذا السؤال، إلا مع قبح إهلاكهم من دون البعثة، و لا يقبح ذمّه؛ لأنّ الذمّ حق مستحقّ على القبيح غير مختصٍّ بالمكلّف، بخلاف العقاب المستحقّ للمكلّف؛ و لذا لو بعث الإنسان غيره على فعل القبيح ففعله لم يسقط حق الباعث من الذم، كما أنّ لإبليس ذم أهل النار و إن كان هو الباعث على المعاصي. انتهى كلامه.
بل هذا- أي قبح العقاب من دون لطف- هو الذي نقله الفاضل التوني- كما في «مطارح الأنظار»- عن الأصحاب و المعتزلة.
لكنّه عندي ضعيف جداً؛ لأنّ منع اللطف لا يكون بمنزلة الأمر بالمعصية قطعاً، و الآتية الشريفة أجنبية عن محلّ الكلام بالكلية، فإن العقاب من دون البيان و إرسال الرسول قبيح ضرورة، و ليس بشيء من اللطف؛ لما مرّ من أنّه بعد البيان و التكليف، و منه انبثق بطلان الفرق و التفكيك بين استحقاق الذم و العقاب.
و صفوة القول: إنّه لا دليل على وجوب اللطف و تحتّمه على الله الحكيم أصلًا، و إنّ مجرّد اختيار العبد و تمكنه من المكلف به يصحح تنجز التكليف و استحقاق العقاب في فرض المخالفة، من دون اشتراطه بمنح اللطف أصلًا. نعم، لو أدخلنا الوعيد بالعقاب في اللطف فلا شك في قبح العقاب في جميع الموارد، أي حتى في ما يكون العقل حاكماً فيه بالذم فقط دون العقاب على ما مرّ تفصيله في حديث الملازمة بين الحكم العقلي و الشرعي؛ و ذلك لأنّ العقاب حينئذٍ بلا بيان. نعم، يحسن العقاب المذكور في الموارد التي يحكم العقل به أيضاً زائداً على الذم، و لعلّه مراد القوم.
ثم إنّه يمكن أن يستدل على بطلان وجوب اللطف بجملة من الآيات الشريفة الدالة على اختصاص ألطافه تعالى الخاصة بطبقة خاصة، و على خذلان طائفة أخرى و منع هداياته و توفيقاته عنهم، و التخلية بينهم و بين ما يشتهون، كما مرّ تفصيلها في بعض مقالات قاعدة الأمر بين الأمرين، و بطلان الجبر و التفويض، فمثل قوله تعالى: وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ[١] و أشباهه يدلّ على نفي اللطف في حق الكافرين و المعاندين، بل على ثبوت ما يزيد به عقابهم!!
كما أنّ قوله تعالى: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَ زِدْناهُمْ هُدىً، و قوله: وَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا
[١] - آل عمران ٣/ ١٧٢.