صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٦٠ - القاعد السادسة في وجوب الأصلح عليه تعالى
٢- إنّه يلزم أن تكون إماتة الأنبياء و الأولياء المرشدين و تبقية إبليس و ذرّياته المضلّين إلى يوم الدين أصلح لعباده، و كفى بهذا فظاعة.
أقول: و قد اتضح جوابه من جواب الأول، فإنّ المعلوم أن تبقية الأنبياء و الأولياء إنّما تكون أصلح للمؤمنين القابلين لهداياتهم، و أنّ اماتة إبليس و ذرّيته أصلح للمتمرّدين و المغرورين بهم، و لكن لا طريق لنا أن نحرز عدم تزاحم هذه المصلحة بما هو أقوى منها، فلعلّ الأصلح في نفس الأمر هو إماتة الأنبياء و تبقية إبليس، فلا يتم النقض مع هذا الاحتمال، فالفظاعة إنّما جاءت من سوء فهم النفاة و عدم تعقّلهم حقيقة الحال.
٣- إنّه يلزم أن لا يبقى للتفضّل مجال، و لا يكون له خيرة في الإنعام و الإفضال، بل يكون ما يفعله تأدية للواجب، كردّ وديعةٍ أو دين لازم، فلا يستوجب على فعله شكراً، فيكون الدعاء لدفع البلاء و كشف البأساء و الضرّاء سؤالًا من الله تعالى أن يغير ما هو الواجب عليه.
أقول: وصف المحقق اللاهيجي هذا الوجه بأعظم شبهات هذا الباب، ثم أجاب عنه: بأنّ استحقاقه تعالى للشكر من أجل ابتداء الوجود و أصل الإيجاد، فإنّه تفضّل محض، فإنّ الواجب عليه تعالى إن أراد إتيان شيء هو أن يوجده على نحو أصلح، فالذي لا يستحق الشكر عليه هو إيجاد الشيء على نحو الأصلح، و أما إيجاد أصل هذا الشيء و إرادته فليس بواجب عليه، فيستحق بإعطائه الشكر على المتفضّل عليه.
و دليله: أنّ الذي يقبح عقلًا من العاقل أن يفعل فعلًا و هو يقدر على إيقاعه بوجه حسن فيفعله على غير هذا الوجه، لا أن يعلم فعلًا حسناً و لم يفعله.
لا يقال: إن ابتداء الوجود أيضاً مبنيّ على مصلحة، فيعتبر فيه أيضاً رعاية الأصلح فيكومن واجباً لا يجامع استحقاق الشكر.
فإنّه يقال: إنّ هذا ممنوع، بل وجوب الأصلح بعد ابتداء الوجود، فإنّ المستدعي للأصلحية غير متحقق قبل إرادة الإيجاد حتى يجب رعايته، بل تحقّقه بعد إرادة الإيجاد.
أقول: هذا التقرير منه عجيب، و لا أظنّ أن يوافقه أحد على هذا التفصيل، بل لا أظنّ أن يلتزم به هو نفسه في سائر المسائل، و فيما يترتب عليه من الآثار.
و على الجملة: لا شكّ في بطلان هذه النظرية، فإنّه كما يقبح عقلًا ترجيح الصالح أو الفاسد على الأصلح بعد إرادة أصل الفعل كذلك يقبح ترجيح ترك الأصلح على فعله، فيصبح الفعل الأصلح واجب الإتيان ابتداءً.
فالصحيح في جواب الشبهة: أنّ الوجوب المذكور لا ينافي استحقاق الشكر للفاعل، و لا وجوبه على المتفضّل عليه، كما يظهر من ملاحظة سنن العقلاء، ألا ترى أنّ من يحسن بالفقراء