صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٣٨ - المقالة العاشرة في السعادة والشقاوة و الطينة
يبغضه. و إن كان شقياً لم يحبه أبداً، و إن عمل صالحاً أحب عمله و أبغضه لِما يصير إليه، فإذا أحبّ الله شياً لم يبغضه أبداً و إذا أبغض شيئاً لم يحبه أبداً.
أقول: لابد من حملها على غير ظاهرها على كلّ حال، و الأولى ردّ علمها إلى قائلها.
و في صحيحة معاوية بن وهب[١] قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول: «إنّ ممّا أوحى الله ألى موسى (ع) و أنزل عليه في التوراة: إنّي أنا الله لا إله إلّا أنا خلقت الخلق، و خلقت الخير و أجريته على يدي من أحب، فطوبى لمن أجريته على يديه، و أنا الله إله إلّا أنا خلقت خلق، و خلقت الشرّ و إجريته على يدي من أريده، فويل لمن أجريته على يديه». و مثلها غيرها.
أقول: المحبوب الذي يجري الخير على يديه هو العبد الصالح، و المراد من الذي يُجرى الشرّ على يدي هو العبد المتمرّد، كما يدلّ عليه ما وراه في قرب الإسناد[٢]، عن ابن عيسى، عن البزنطي قال: سمعت الرضا (ع) يقول: «جفّ القلم بحقيقة الكتاب من الله بالسعادة لمن آمن و اتقى، و الشقاوة من الله تبارك و تعالى لمن كذّب و عصى»
و لا منافاة بين نسبة إجراء الخير و الشرّ إليه تعالى و بين استنادهما إلى العبد نفسه، كما هو ظاهر لمن علم معنى الأمر بين الأمين، أو معنى الإجراء هو منح اللطف الخفي للمطيعين و منعه عن العاصين، و على كلا التقديرين لا إشكال في مدلول الرواية. ثم الظاهر أنّ قوله: «و أجريته على يدي من ...» عطف تفسير لقوله: «خلقت الخير» و قوله: «خلقت الشر».
و في صحيحة الكناني[٣]، عن الصادق (ع) قال: «قال رسول الله (ص): الشقي من شقي في بطن أمّه ...» إلى آخره.
أقول: ظاهرها المنافاة مع المختار، لكنّ الأمر ليس كذلك، كما يدل عليه رواية ابن أبي عمير[٤]، قال: سألت أباالحسن موسى بن جعفر (ع) عن معنى قول رسول الله (ص): «الشقي من شقي في بطن أمه، و السعيد من سعد في بطن أمه»؟ فقال: «الشقي من علم الله (علمه الله) و هو في بطن أمه أنّه سيعمل أعمال الأشقياء و السعيد من علم الله (علمه الله) و هو في بطن أمه أنّه سيعمل أعمال السعداء» قلت له: فما معنى قوله (ص): «اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له»، فقال: «إنّ الله عزّ و جلّ خلق الجنّ و الإنس ليعبدوه، و لم يخلقهم ليعصوه، و ذلك قوله عزّ و جلّ: وَ ما خَلَقْتُ
[١] - أصول الكافي ١/ ١٥٤.
[٢] - البحار ٤/ ١٥٤ عن قرب الإسناد.
[٣] - البحار ٥/ ١٥٣، و كونها صحيحة مبنيّ على أنّ الكناني هو أبو الصباح.
[٤] - نفس المصدر/ ١٥٧.