صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٢٣ - المقالة الثامنة في دلالة القرآن المجيد
هَدى
و أعلم أنّ الأمّة مجمعة على أنّ الإضلال بهذا المعنى لا يجوز على الله تعالى؛ لأنّه ما دعا إلى الكفر و ما رغّب فيه، بل نهى عنه و زجر و توعّد بالعقاب عليه، و إذا كان المعنى الأصلي للإضلال في اللغة ليس إلا هذا، و هذا المعنى منفيّ بالإجماع، ثبت انعقاد الإجماع على أنّه لا يجوز إجراء هذا اللفظ على ظاهره، و عند هذا افتقر أهل الجبر و القدر إلى التأويل، أمّا أهل الجبر فقد حملوه على أنّه تعالى خلق الضلال و الكفر فيهم و صدّهم عن الإيمان و حال بينهم و بينه ... إلى آخره.
أقول: سبحانك هذا بهتان عظيم و إفك مبين! تكاد السماوات يتفطّرن من قوله، يقول: إنّه تعالى ما دعا إلى ترك الدين! ثم يقول: إنّه تعالى خلق في المكلفين ترك الدين!! يقول: ذم الله إبليس و فرعون على إضلالهما الناس و دعائهما إيّاهم إلى ترك الدين! لكنّه يخلقه فيهم، و هو حسن محض! هكذا في سنة هذا القوم، نقول لهم: هذا الذي أضلّه الله و خلق فيه الضلالة على زعمكم هل هو قادر على عمل الطاعات، أو لا؟ و الأول يبطل مذهبكم، و الثاني ينفي تكليفه؛ لأن الله يقول: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها، و إنّي لا أظنّ بهؤلاء أن يلتزموا بسقوط التكليف عن الكفّار و الظالمين و المسرفين، فهذا يستكشف أنّ في وسعهم عمل الخير، و هم غير مجبورين، كما هو محسوس أيضاً، فيعلم من ذلك- علماً قطعياً- أنّ معنى الإضلال المنسوب إليه تعالى ليس بمعنى خلق ترك الدين، كما أنّه ليس بمعنى الأمر بترك الدين و الترغيب عنه و دعائه الناس إلى المعصية.
و قال بعض السادة المعاصرين[١]: لا يخفى أنّ جميع ما ذكر من هذه الوجوه (أي الوجوه السبعة التي ذكرها السيد المرتضى و المجلسي- رحمهما الله- في توجيه قوله تعالى: أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ، إنّما هو للفرار من نسبة فعل القبيح إليه تعالى، فإن الحيلة و المكر و الأمر بالمعصية، و بالجملة كلّ ما هو إضلال بوجه قبيح من الحكيم فلا ينسب إليه تعالى، إلا أنّ ظاهر الكتاب أنّ جميع ذلك منه تعالى فيما نسب إليه من قبيل المجازات على المعاصي، قال تعالى: وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ، و قال: فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ
[١] - هامش البحار ٥/ ٢٠٧، و فصله في تفسيره( الميزان) أيضاً.