صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٠٩ - المقالة الخامسة في مذهب الحكماء
أقول: أمّا الاستفادة من الشرع فقد عرفتها، و أمّا تحقيقه بالكشف فلنقل قصص و حكايات عليه، لكنها ممّا لا يعتمد عليه في المسائل العلمية، و أمّا البرهان فما وقفت عليه بعد الفحص المقدور وجوه:
الأول: ما ذكره صاحب الأسفار في فصل نشر الصحائف و إبراز الكتب من فصول باب المعاد، قال: إنّ الملكات النفسانية تصير صوراً جوهرية و ذوات قائمة فعّالة في النفس[١] تنعيماً و تعذيباً، و لو لم يكن لتلك الملكات من الثبات و التجوهر ما يبقي أبد الآباد لم يكن لخلود أهل الجنة في الثواب و أهل النار في العقاب وجه أبداً، فإنّ منشأ الثواب و العذاب لو كان نفس العمل أو القول- و هما أمران زائلان- يلزم بقاء المعلول مع زوال العلة المقتضية، و ذلك غير صحيح.
الثاني: ما ذكره هو أيضاً في نفس المقام، من أن الفعل الجسماني الواقع في زمان متناهٍ كيف يصير منشأ للجزاء الواقع في أزمنة غير متناهية؟! و مثل هذه المجازاة غير لائق بالحكيم؛ سيما في جانب العذاب ...
و لكن يخلد أهل الجنة في الجنة و أهل النار في النار بالثياب في النيات، و الرسوخ في الملكات.
الثالث: ما في بعض الحواشي[٢] من أنّ الماهية الخارجية هي بعينها توجد في الذهن، كما قرّر في مبحث الوجود الذهني، و اختلاف الخارجي و الذهني في الآثار إنّما هو لأجل الوجود الخارجي و الذهني دون الماهية، فإنّها متحققة في المقامين بنفسها، و هكذا في الخيال و الحسّ و العقل، فإنّ الماهية الموجودة فيها ماهية واحدة، لكنّها تتجلى في كل موطن بصورة، و تسمّى في كل مقام باسم، فتتجسم في مقام، و تصير عرضاً في مقام آخر.
و أصل ذلك كله إمكان تفاوت آثار الشيء بحسب نشآت وجوده مع كونه هو هو بحسب ماهيته.
أقول: أمّا الوجه الأول فجوابه: أنّ القول أو العمل أو الاعتقاد بوصف كونه معصية علة عقلائية لاستحقاق العذاب و خلوده، و أمّا نفس العقاب فهو معلول لإرادة الله سبحانه و تعالى حدوثاً و بقاءً، فأين لزوم بقاء المعلول بلا علة؟
و أمّا الوجه الثاني فقد تقدم الكلام حوله مفصّلًا في القاعدة المتقدمة.
ثمّ إنّ المستدلّ غير معتقد بهذين الوجهين أيضاً كما يظهر من بيانه حول خلود الكفّار في
[١] - تجسم العمل المستفاد من القرآن و السنة إنّما هو في الخارج و النفس، كأن عبارة الأسفار تشير إلى النار الروحاني دون المادي فافهم البحث.
[٢] - درر الفوائد/ ٦٠٠.