صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٠٧ - المقالة الخامسة في مذهب الحكماء
زيادة بحث عن بطلانه.
الثاني: ما ذكره جملة من الفلاسفة، بل نسب إلى جميعهم من الالتزام بتجسّم الأعمال، و أنّ المثوبة و العقوبة من تبعات الأفعال و لوازم الأعمال.
قال صاحب الأسفار[١] في مقام الجواب عن اعتراض معاقبة الله المكلفين على معاصيهم الصادرة بقضاء الله و قدره لا باختيارهم: و الجواب على مقتضى قواعد الحكماء: أنّ الله غني عن العالمين و طاعة المحسنين و معصية المسيئين، و إنّما الوارد على النفس بعد مفارقة الدنيا إنّما هو على تقصيرها و تلطيخ جوهرها بالكدورات المؤلمة و الظلمات الموذيه الموحشة؛ لا أنّ عقابها لمنتقم خارجي يعاقبها و يؤذيها ... كما تتوهّم النفوس العامية ... فإنّ العقوبات هنالك- أي في الآخرة- من لوازم أعمال و أفعال قبيحة و نتايج هيئات ردية و ملكات سيئة، فهي حمّالة لحطب نيرانها و معها وقود جحيمها، فإذا فارقت النفس البدن متلطّخة بالملكات المذمومة و الهيئات المرذولة و زال الحجاب البدني، و فيها مادة الشعلات الجحيمية و كبريت الحرقات الباطنة و النيران الكامنة فشاهدتها بعين اليقين و قد أحاطت بها سرادقها ... كما قال الصادق (ع): إنّما هي أعمالكم ترد عليكم ... إلى آخره[٢].
أقول: هذا البحث أجنبي عن موضوع النزاع، فإنّه إنّما يدفع السؤال القائل بأنّ الله تعالى لم يعاقب العبد و لو كان مستحقاً للعقاب بارتكابه المعاصي فانه تعالى غنيّ عنه غير مفتقر إليه؟
وجه الدفع: أنّ العقاب مجسّم من عمله، لا أنّه وارد عليه من الله تعالى، و أمّا إثبات استحقاق العقاب فالبحث المذكور لا يثبته، و لا ينظر إليه أصلًا، و المفروض أنّ العقلاء يرون المتمرّدين مستحقين و مستأهلين للعقاب و العتاب، و مع فرض كون المكلف مجبوراً و مضطراً في أفعاله لا يستحق ثواباً و لا عقاباً فسقط هذا القول أيضاً.
إلا أن يقال[٣]: إنّا لا نقول بالعقاب من أجل حكم العقلاء بالاستحقاق حتى يرد علينا اعتراض انتهاء الفعل إلى ما لا بالاختيار.
بل نقول: بأنّ الفعل الناشئ عن هذا المقدار من الاختيار مادة لصورة أخروية، و التعبير بالاستحقاق بملاحظة أنّ المادة حيث كانت مستعدّة فهي مستحقة لإفاضة الصور من واهب الصور، و منه تعريف أنّ نسبة التعذيب و الإدخال في النار إليه تعالى بملاحظة أنّ إفاضة تلك
[١] - في مباحث الخيرات و الشرورة في المجلد الثاني من أسفاره. الطبعة القديمة.
[٢] - و للحديث تتمة ذكرها في بعض فصول المعاد من الأسفار، و هي: فالتزموا مكارم الأخلاق، فإنّ الله يعاملكم بما عاملتم به عباده.
[٣] - كما احتمله في نهاية الدراية ١/ ١٧٨.