صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٠٤ - المقالة الخامسة في مذهب الحكماء
لكن القصد نفسه حيث يكون اختيارياً فلا ينافي الترتب المذكور اختيارية الفعل، و أن إرادة الله تعالى هو إحداثه و إفاضته التابعة لعلمه بالمصلحة على نحو لا ينافي اختياره. تدري أنّ الوجوه الأربعة من الإيراد المذكور في كلام بعض الأعيان من أهل المعقول[١] غير واردة على المختار، بل هي ساقطة من رأس. كما أن ما ذكره الفارابي في الفصّ السادس و الخمسين من فصوصه من الإشكال على اختيار الممكن، أيضاً ساقط بعد الإحاطة بما ذكرنا، و قد تقدم بعض الكلام عليه في القاعدة السابقة، حيث ذكر مثله صاحب الأسفار فزيّفناه، فلا نطيل المقام بذكر الوجوه المشار إليها و ردّها تفصيلًا، مغموم إرادته تعالى بشمولها الأفعال الإنسان- مثلًا- مقرونة بهذا المعنى- أي إفاضة القوّة و القدرة في كلّ لحظة- مقرونة باختياره- أي له أن يستعمل هذه القدرة المفاضة، و له ألّا يستعملها، لا يستلزم الجبر بوجه، فافهم المقال تصب الحق. و الله الهادي.
المقالة الخامسة: في مذهب الحكماء
قال الحكيم الشيرازي في مبحث عموم إرادة الله تعالى: و ذهبت طائفة أخرى و هم الحكماء و خواص أصحابنا الإمامية (رحمه الله) إلى أنّ الأشياء في قبول الوجود من المبدأ المتعالي متفاوتة، فبعضها لا يقبل الوجود إلّا بعدوجود الآخر، كالعرض الذي لا يمكن وجوده إلا بعد وجود الجوهر، فقدرته تعالى على غاية الكمال يفيض الوجود على الممكنات على ترتيب و نظام بحسب قابليتها المتفاوتة بحسب الإمكانات، فبعضها صادرة عنه تعالى بلا سبب، و بعضها بسبب واحد أو أسباب كثيرة، فلا يدخل مثل ذلك في الوجود إلا بعد سبق أمور هي أسباب وجوده، و هو مسبّب الأسباب من غير سبب، و ليس ذلك لنقصان في القدرة، بل لنقصان في القابلية و كيف يتوهّم النقصان و الاحتياج مع أنّ السبب المتوسط أيضاً صادر عنه ... إلى آخره.
قال السبزواري في حاشيته: و حاصل هذه الطريقة: أنّ الله تعالى يوجد القدرة و الإرادة في العبد، ثم هاتان القدرة و الإرادة توجبان وجود المقدور، فالله تعالى فاعل بعيد، و العبد فاعل قريب في هذه الطريقه ... والفرق بينها و بين طريقة المعتزلة ظاهر؛ لأنّ المعلول لا يحتاج إلى العلة في البقاء عند المعتزلة، بخلافه عند المحقق و غيره- انتهى- أي المحقق الطوسي الذي هو كالأصل في إبراز هذا القول في شرح رسالة العلم، و قد أوضح هذه الطريقة اللاهيجي في «گوهر
[١] - نهاية الدراية في شرح كفاية الأصول ١/ ١٦٨.