صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٩٩ - المقالة الثالثة في إبطال شبه الجبريين
الانقلاب، و لا مخرج عنهما لفعل العبد، و أنّه يبطل الاختيار، إذ لا قدرة على الواجب و الممتنع، فما لزمنا من بطلان التكليف و لواحقه في مسألة خلق الأفعال لزمكم في مسألة علم الله تعالى بالأشياء. قال الرازي: و لو اجتمع جملة العقلاء لم يقدروا على أن يوردوا على هذا الوجه حرفاً.
أقول: لكنّ هذا المسكين المغرور ما شعر أنه لو اجتمع الجنّ و الإنس على تصحيحه لما قدروا عليه، فإنّ العلم تابع للمعلوم في تعلقه، فالعبد حيث يكون فاعلًا باختياره فعلًا خاصاً فيما لا يزال تعلق علمه تعالى به، دون العكس، و هذا كما نقول: طلعت الشمس فعلمناه، و لا نقول: علمنا طلوع الشمس فطلعت، و هذا واضح.
ثم نزيد و نقول إنّ الله تعالى كما علم أزلًا صدور الفعل منّا كذلك علم صدوره باختيارنا و إرادتنا، و علم تمكننا من تركه، و علم أنّ ترجيحنا جانب وجوده بمحض اختيارنا، فلو فرض صدوره عنّا بالجبر للزم انقلاب علمه تعالى جهلًا، و هو محال.
نعم، ربما تقرّر الشبهة من جهة أنّ علمه فعلي، و العلم الفعلي مؤثّر، و المفروض أنّ كل ممكن معلوم لله تعالى.
و هذا التقرير أحسن من التقرير المتقدم، لكنّنا أبطلنا أساس العلم الفعلي كما مرّ في الجزء الأوّل، و على تقدير تسليمه فنقول: إنّه كما علم فعلنا علم تمكننا منه أيضاً فلا يبطل اختيارنا، كيف و لو كان علمه الأزلي منافياً لاختيار العبد لكان منافياً لاختياره تعالى أيضاً، و هذا ممّا لا يلتزم به الأشاعرة جهراً، و إن كان إيجابه تعالى لازماً على قواعدهم قطعاً، كما ذكرنا سابقاً، و قد اعترف به الجرجاني أيضاً. و أمّا ما لفّقه ابن روزبهان في منع هذا النقض[١] فجدّ موهون؛ فلذا تركنا ايراده.
٢- من جهة إرادته تعالى، فإنّ ما أراد الهل وجوده فهو واقع قطعاً، و ما أراد الله عدمه فهو غير واقع قطعاً، فلا قدرة لغيره تعالى، و هذا معنى ما اشتهر بينهم تبعاً للصوفية من أنّه لا مؤثر في الوجود إلا الله.
أقول: و الأولى تبديل الجملة الثانية: بأنّ ما لم يرد الله وجوده غير واقع؛ لئلّا يقال: إنّه تعالى ما أراد وجوده و لا أراد عدمه، و قد تقدم أنّ عدم العلة علة لعدم المعلول. لكنّه يزيّف بأنّه مصادرة محضة! فإنّه مبنيّ على تعلق إرادته تعالى بكلّ شيء، و هو هنا اول الكلام.
و على الجملة: لا شك في أنّ ما يتعلق به إرادة الله التكوينية يقع لا محالة، و يستحيل تخلّف
[١] - إحقاق الحقّ ٢/ ١١٧.