صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٩٧ - المقالة الثالثة في إبطال شبه الجبريين
و أمّا الثاني فما هو منه قهري الحصول فهو غير مرتبط بالقصد، و أمّا ما هو اختياري منه حدوثاً أو بقاءً فهو
يستند إلى الإرادة.
فإن قلت: إذا كانت أجزاء الإرادة إرادية يلزم الدور أو التسلسل؟
قلت: اللزم المذكور ممنوع، فإنّ التصور و التفكر في إطعام زيد- مثلًا- مقدمة للإرادة التي تتعلق- بعد تحققها- بالإطعام المذكور، و لكنّه معلول للقصد المتعقل بنفسه، و هذا القصد مسبوق بالتصور و اعتقاد النفع و الشوق الارتكازية.
بيان ذلك: أنّ الإنسان مفطور على حبّ ذاته، و مجبول على حفظ كيانه، و هذا ضروري، و يتولّد من هذا الحبّ لزوم دفع الضرر و جلب المنفعة، فالإنسان بحسب ارتكازه الفطري متوجّه نحو تحصيل سعادته و تكامله، و حيث إنّ حصول السعادة و دفع المشقّة لا يتيسّران إلا بالتفكر و التدبر حول الأشياء و تمييز صالحها من فاسدها فهو يعتقد- اعتقاداً فطرياً- أنّ التفكر حسن فقهراً يشتاق إليه ثم يقصده، فالقصد المذكور و إن كان اختيارياً- كما يأتي- لكنّ مقدماته غير اختيارية منتهية إلى خلق الواجب الحكيم، فلا يلزم التسلسل و الدور
و على الجملة: إطعام زيد مستند إلى الإرادة و هي القصد، و الإرادة موقوفة على مقدماتها و هي تصور الإطعام و اعتقاد نفعه و الشوق إليه، و هذا التصور و التفكر- في غير موارد اضطراره- أيضاً اختياري إرادي مستند إلى الإرادة المتعلقة به، و هذه الإرادة مسبوقة بمقدماتها الارتكازية القهرية، و حيث إنّها لا توجب الإرادة بل مقتضية إيّاها- كما يأتي- لا يخرج التدبر و التفكر المذكور عن الاختيار.
و أمّا الثالث فهو كما عرفت أيضاً اختياري، و ليس الشوق علّة موجبة له، بل للنفس القصد و عدمه، و الشوق المذكور مرجح له و ليس بموجب، فالقصد- أي الإرادة- و إن كان اختيارياً- أي للنفس تمكن من وجوده و عدمه- لكنّه ليس إرادياً، و إلا لتسلسلت الإرادات، و لا دليل على أنّ كل ما لم يكن مستنداً إلى الإرادة- و لو كان نفس الإرادة- كان اضطرارياً غير اختياري؛ لما عرفت من أنّ الاختياري ما كان الفاعل متمكناً من فعله و تركه.
فتحصّل: أنّ جميع الأفعال الجوانحية و الجوارحية الاختيارية إرادية مسبوقة بالقصد، و أمّا القصد نفسه فهو لا يستند إلى قصد و إرادة أخرى و إن كان اختيارياً، بل هو فعل النفس.
و ممّا ذكرنا كله ظهر أنّ القاعدة القائلة: «إنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد» صحيحة حتى في الأفعال الاختيارية؛ إذ بعد تحقق القصد تتحق حركة العضلات قهراً، و إنّما الخارج عنها القصد نفسه؛ لما عرفت من قضاء الوجدان على عدم إيجابه بالشوق و إن كان بالغا في التأكد غايته.
ثمّ إنّ الواجب الوجود حيث لا يتصور في حقّه القصد- كما مرّ في مبحث الإرادة- لا يعقل