صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٩٣ - المقالة الثالثة في إبطال شبه الجبريين
المقالة الثالثة: في إبطال شبه الجبريين
الأول: من ناحية القدرة، و تقريرها: أنّ فعل العبد ممكن في نفسه، و كلّ ممكن مقدور لله. ففعل العبد مقدور له، و لا شيء ممّا هو مقدور لله بواقع بقدرة العبد؛ لامتناع اجتماع قدرتين مؤثّرتين على مقدور واحد، فأفعال العباد واقعة بقدرة الله و حده.
أقول: القياس الأول قوي جداً، لكن القياس الثاني فاسد قطعاً، فإنّ القدرة عند المتكلمين هي صحة الفعل و الترك كما مرّ بحثها في الجزء الأول، فلا مانع من اجتماع ألف قدرة على مقدور واحد، بل هو واقع خارجاً، و لا يستند الأثر إلى القدرة، و إلا لزم اجتماع النقيضين، فإنّ القدرة بالنسبة إلى الفعل و تركه سواء، و كلا طرفي الفعل مقدور، فلا بد من وقوعهما معاً، و للزم لغوية الإرادة أيضاً، فهذه الشبهة سخيفة جداً. و توصيف القدرة بالمؤثرة إنّما يصحّ بأخذ الإرادة معها، فهو نوع من المغالطة و أمّا البحث من جهة عموم إرادته فسيأتي تفصيله قريباً. نعم، يمكن أن تقرّر الشبهة من جهة قدرته تعالى على أصول الفلاسفة، إلا أنّها فاسدة عندنا و عند البحريين.
الثانية: من ناحية علم الفاعل بفعله، قالوا: لو كان العبد موجداً لأفعاله بالاختيار لوجب أن يعلم تفاصيلها، و اللازم باطل، فكذا الملزوم.
بيان الملازمة: أنّ الأزيد و الأنقص ممّا أتى به ممكن منه، فوقوع ذلك المعين منه دون الأزيد و الأنقص لأجل القصد إليه بخصوصه، و الاختيار المتعلق به وحده مشروط بالعلم به، كما تشهد به البديهة، فتفاصيل الأفعال الصادرة عنه باختياره لا بد أن تكون مقصودة معلومة له. و أمّا بطلان اللازم فلأنّ النائم و الساهي قد يفعلان باختيارهما، كما إذا انقلب النائم من جنب إلى جنب و لا يشعر بكمية ذلك الفعل و كيفية.
أقول: و فساده واضح، فإنّ الساهي و النائم- كما ذكرناه في مبحث علمه تعالى- ليسا بمختارين، ضرورة عدم صدور فعلهما عن إرادة، فالاستدلال باطل. و الحق أنّه لا يحب العلم التفصيلي بالفعل الاختياري، بل يكفيه العلم الإجمالي الارتكازي.
قال ابن سينا في محكيّ الشفاء[١]: فتأمل حال الصناعة، فإنّ الصناعة لا يشك في أنّها لغاية، و اذا صارت ملكة لم يحتج في استعمالها إلى الروية، و صارت بحيث إذا حضرت الروية تعذّرت و تبلّد الماهر فيها عن النفاذ فيما يزاوله، كم يكتب أو يضرب بالعود فإنه إذا أخذ يروي في اختيار حرف حرف، أو نغمة نغمة و أراد أن يقف على عددها تبلّد و تعطّل، و إنّما يستمر على
[١] - الشوارق ١/ ٢٢٢، و مثله كلام صاحب الأسفار ٢/ ٢٥٧.