صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٩٢ - المقالة الثانية في مسلك الجبر
التكليف و الوعد و الوعيد، فإنّ ذلك كلّه إنّما يتمشّى على الأفعال الاختيارية، لكنّ المجبرة تقول[١]: المدح و الذم باعتبار المحلّية، لا باعتبار الفاعلية حتى يشترط فيهما الاستقلال! و ذلك كما يمدح الشيء و يذم بحسنه و قبحه و سلامته من الآفة و عاهته، فإنّ ذلك باعتبار أنّه محلّ لها، لا مؤثر فيها. و أمّا الثواب و العقاب المترتبات على الأفعال الاختيارية فكسائر العاديات المترتبة على أسبابها بطريق العادة من غير لزوم عقلي و اتجاه سؤال، و كما لا يصحّ عندنا أن يقال: لم خلق الله الاحتراق عقيب النار؟ و لم لم يحصل ابتداءاً أو عقيب مماسّة الماء؟ فكذا هاهنا لا يصحّ أن يقال: لم أثاب عقيب أفعال مخصوصة، و عاقب عقيب أفعال أخرى، و لم يفعلهما ابتداءً؟ أو لم يعكس فيهما؟ و أمّا التكليف و التأديب و البعثة و الدعوة فإنّها قد تكون دواعي للعبد إلى الفعل و اختياره فيخلق الله الفعل عقيبها عادة، و باعتبار ذلك الاختيار المترتب على الدواعي يصير الفعل طاعة و معصية، و يصير علامة للثواب و العقاب، لا سبباً موجباً لاستحقاقهما.
أقول: كل ذلك يشبه الهذيان، فإنّ المدح و الذم إنّما يتعلقان بالأفعال الاختيارية، فيستحق الإنسان المدح بأفعاله الحسنة و الذم بأعماله السيئة، و لا معنى لأن يستحق الذم أو المدح بأمور خارجة عن اختياره. نعم، لا بأس باتصاف شيء بالحسن و القبح في غير الأمور الاختيارية، بمعنى اشتماله على الكمال و النقص أو ما يوافق الطبع و ينافره أو غيرهما كما مرّ في أوائل هذا المقصد، و أمّا قولهم في العقاب و الثواب فهو أقبح و أشنع، فإنّ معناه أنّ عادة الله جارية على عقاب عباده العاجزين بلا جهة! و هل هذا إلّا ظلم بحت ينفيه العقل و القرآن عن الله تعالى، و توهّم أنّ الممكن ملك له و للمالك كيف ما شاء من التصرف و لا قبح؟ قد أبطلناه سابقاً بأوضح وجه.
و بالجملة: العقل و القرآن يناديان بأنّ العقاب إنّما هو جزاء أعمالهم، لا من جريان عادة الله تعالى الله عمّا يقول الظالمون علواً كبيراً.
و أمّا ما ذكروه في التكليف فضعفه ظاهر؛ لأنّ الدواعي أيضاً عندهم من فعله تعالى و لا اختيار للعبد، بل و اختياره- مع كونه غير مؤثر- أيضاً من خلقه تعالى، فلا يتصور للتكليف فائدة.
و خلاصة القول و لبّه: إنّ القول بالجبر مخالف للعقل في إدراكاته الأولية و أنظاره البدئية و الدين في أصل أساسه و آثاره الثابتة اللازمة.
[١] - شرح المواقف ٣/ ١٢٥، و غيره.