صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٨٩ - المقالة الثانية في مسلك الجبر
إلا الله، فأفعال الإنسان و غيره عندهم كحركة السكين في يد القصاب، أو كحركة القلم في يد الكاتب!
و قال ابو الحسن الأشعري و مقلّدوه: إنّ أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة الله تعالى وحدها و ليس لقدرتتهم تأثير فيها، بل الله سبحانه أجرى عادته بأن يوجد في العبد قدرة و اختياراً، فإذا لم يكن هناك مانع أوجد فيه فعله المقدور مقارناً لهما- أي للقدرة و الاختيار الكائنين في العبد- فيكون فعل العبد مخلوقاً لله تعالى إبداعاً و إحداثاً و مكسوباً للعبد[١].
أقول: امتيازه عن القول الأول بامرين:
الأول: تحقق القدرة و الاختيار في العبد المقارن لهما الفعل، لكن بلا تأثير لهما فيه.
الثاني: كون العبد كاسباً لفعله و إن لم يكن الفعل مستنداً إلى إرادته و اختياره، لكن الحقّ رجوع هذا القول إلى الأول، و كونهما شيئاً واحداً، فالمجبّرة هم الجهمية و الأشاعرة، فإنّ الأمرين المذكورين ممّا لا محصل له، و لا معنى معقول تحته، بل هو مجرد لقلقة لسان لا غير.
إذ نقول لهم: إذا لم يكن للقدرة و الاختيار تأثير و كانت أفعالنا صادرة عن إرادة الله تعالى فقط فما الدليل على وجود هذه القدرة و الاختيار؟ و لمن خلقهما الله في العبد؟ هل للسخرية و الاستهزاء، فالله بريء عن القبيح، أم للإنفاذ و تدبير الشؤون؟ فأنتم تمنعون تأثيرهما في فعل العبد.
فإن قيل: إنّهما ضروريان في الإنسان. نقول: نعم، لكنّ استناد الفعل إليهما أيضاً ضروري وجداني، فقد سقط مذهبكم!
و أمّا الأمر الثاني- أعني الكسب- فلهم فيه اضطراب عجيب و تقلقل غريب، و كل ما أمعنت فيه النظر تجده أقرب شيء إلى الكلام النفساني من حيث الغموض و الإبهام! يقولون بأفهواهم ما لا تدركه قلوبهم و لا تتصوره عقولهم.
يقول الجرجاني في شرح المواقف في تفسير الكسب عن قيل سيده و قائده الأشعري: و المراد بكسبه (أي العبد) إيّاه (أي الفعل): مقارنته لقدرته و إرادته من غير أن يكون هناك منه تأثير و مدخل في وجوده سوى كونه محلًا له.
أقول: ليس فيه زيادة على التصريح بجبر العبد في فعله و سلب اختياره. ثم لمّا جاء الباقلاني و لا حظ كسب شيخه الأشعري على حالة الانحلال و الاضمحلال حاول أن يستصلح فساده- و هل يصلح العطار ما أفسده الدهر؟- فقال[٢]: تتعلق قدرة الله بأصل الفعل و قدرة العبد
[١] - شرح المواقف ٣/ ١١٨، و كذا في شرح القوشجي للتجريد و غيره.
[٢] - شرح المواقف ٣/ ١١٩.