صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٦٤ - القاعدة الرابعة في تبعية أفعاله للأغراض
الممكنة دون الممتنعة، فإذن لو فرضنا عدم تعلّل فعل من أفعاله بالغرض لأجل محذور التسلسل لما ضرّ بلزوم جريانه في غيره، و هذا واضح.
و ثانياً: أنّ الغاية ربما لا تكون من فعله تعالى حتى تحتاج إلى غاية أخرى، و لنأخذ مثلًا: أنّ الله تعالى خلق الإنسان بطبعه و وصفه هذا ليكلّفه، و سبب التكليف هو تكامله و ارتقاء نفسه من حضيض النقص إلى ذروة الكمال و الشرف، و من المعلوم أنّ التكامل المذكور ليس من فعل الله تعالى حتى يحتاج إلى غاية، و هذا أيضاً ظاهر، و قس عليه غيره.
و ربما تقرر شبهة التسلسل بنحو آخر، فيقال[١]: إنّ الغرض من اختصاص الحادثة المعينة بوقتها المعين؛ إن وجد قبل وقت الحادثة المعينة لزم أن تكون الحادثة المعينة أيضاً قبل ذلك الوقت؛ لامتناع تأخر الشيء عن غرضه، و لزم أن لا يكون الغرض غرضاً؛ لامتناع أن يكون غرض الشيء قبله. و إن وجد الغرض من اختصاص الحادثة المعينة بوقتها المعين في ذلك الوقت عاد الكلام في اختصاص الغرض المذكور بذلك الوقت المعين، فإن لم يكن لغرض لزم التنزيه عن الغرض. و إن كان لغرض فإن وجد الثاني قبله لزم ان يكون الغرض الأول أيضاً قبله و إن لا يكون الغرض غرضاً. و إن وجد الغرض الثاني في ذلك الوقت عاد الكلام فيه و يلزم التسلسل أو التنزيه عن الغرض.
أقول: العلّة الغائية ما يتقدم بوجوده الذهني على مغيّاه و يتأخر بوجوده الخارجي عنه، فوجوده بعد تحقق مغيّاه من قبيل ترتب المعلول على العلة، و أمّا اختصاص الغرض بوقت دون وقت فهو لأجل علله التكوينية، كتحصيل المال بالتكسّب و الشبع بالأكل و نحو ذلك، و لعمري إنّ هذا التلفيق مجرد لقلقة لسانية لا معنى تحته أبداً، لكنّ تقليد شيخهم الأشعري دعاهم إلى هذه الترّهات، و الله العاصم.
٤- من طريق الإرادة، بيانه: أنّ كون الإرادة مرجحة صفة نفسية، و الصفات النفسية و لوازم الذات لا تعلّل، كما لا يعلّل كون العلم علماً و القدرة قدرة. نقله في الأسفار[٢] عن الأشاعرة، ثمّ زيّفه بقوله: فإنّ مع تساوي طرفي الفعل كيف يتخصص أحد الجانبين؟ و الخاصية التي يقولونها هذيان، فإنّ تلك الخاصية كانت حاصلة أيضاً لو فرض اختيار الجانب الآخر الذي فرض مساوياً لهذا الجانب.
أقول: و قد أشرنا سابقاً أنّ كلامهم في إرادته تعالى يستلزم جبره تعالى، فهم بمبانيهم هذه
[١] - ذكره البيضاوي في طوالع الأنوار، و الإصبهاني في شرحها، لاحظ هامش شرح المواقف ٢/ ٥٣٢. و للرازي في تفسيره تقارير أخرى كلّها واضحة الفساد؛ فلذا أهملنا ذكرها.
[٢] - ٢/ ٢٦٠.