صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٤٣ - تعقيب و تحقيق
و أيّدوا قولهم بإجماع السلف على إطلاق قول النبي الأكرم (ص): «ما يشاء الله كان، و ما لم يشأ لم يكن».
تعقيب و تحقيق:
هذا ما ذكره أهل الحق و خصومهم في المقام، و يقع البحث في أصل المدّعى أولًا، و في صحة الدلائل و سقمها ثانياً.
فنقول: أمّا مدّعى الأشعرية فهو ظاهر، فإنّهم يزعمون استناد جميع الموجودات و منها أفعال الحيوان الاختيارية إلى إرادة الله تعالى ابتداءً، من دون التزام بقانون العلّية و المعلولية الذي هو من قطعيات الحكمة النظرية، و من دون إقرار بقاعدة التحسين و التقبيح التي هي من ضروريات الحكمة و العملية، و لا شك في بطلان هذه المقالة و سخافتها كما عرفت هنا، و ستعرفه أيضاً في مسألة إبطال الجبر و التفويض و إثبات الأمر بين الأمرين.
و أمّا مدّعى العدلية فهو بظاهره لا يخلو من غموض، فإنّهم بعد ما أنكروا على الأشاعرة عموم تعلق إرادته تعالى بجميع الأشياء قالوا: إنّ أفعاله كلها مرادة له؛ لأنّها لا تكون إلا حسنة، و أمّا أفعال غيره الاختيارية: فإن كانت حسنة فهي مرادة له تعالى، و إلا فليست بمرادة.
أقول: و هذا باطل قطعاً و اتفاقاً، فإن معناه أنّ المحاسن واقعة بقدرة الله و إرادته، و المعاصي واقعة بإرادة العبد، و الأول جبر محض، و الثاني تفويض صرف، فافهم. و هذا التفصيل مما لم يلتزم به أحد فيما أعلم، فإنّ المعتزلة تقول بالتفويض في جميع الأفعال، و الإمامية تذهب إلى الأمر بين الأمرين مطلقاً، فما معنى هذا التفصيل؟!
هذا، مع أنّ البحث عن تعلق إرادته بالقبيح بعد البحث عن أنّه لا يفعل القبيح- كما تقدم- لغو، ضرورة أنّ تركه القبيح يستكشف عن عدم تعلق إرادته النافذة به، و إلا لم يتخلّف عنها، فتدبر، و لا سيّما إذا فسّرنا إرادته تعالى بنفس الإيجاد و الإحداث كما لعله مذهب معظم الإمامية و جملة من المعتزلة على ما سلف تحقيقه و تفصيله في الجزء الأول فإنّ المسألتين تتحدان حينئذٍ.
لكنّ الظاهر أنّ مرادهم بالإرادة هنا هي الإرادة التشريعية بمعنى الطلب، فمعنى كلامهم أنّ الله يطلب الطاعات دون المعاصي، و هذا شيء لا يمكن الشك فيه أبداً، فإنّه من أوضح البديهيات عند الملّيين. و ممّا يدل على إرادتهم هذا المعنى من الإرادة المبحوث عنها في المقام: عبارة المحقق الطوسي (قدس سره) في قواعد العقائد[١]: و المعتزلة قالوا: إنّه يريد ما يفعله، و أمّا يفعله العباد
[١] - شرحها كشف الفوائد/ ٦٤.