صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٥٠ - و أما الجهة الثانية
صفاته الفعلية كلها حادثة، كما تقول: اللّه رازق خالق رحيم مميت معطي مثيب و معاقب، إلى غير ذلك، و إنما القديم صفاته الذاتية.
و إن أريد بها الصفة الذاتية فالأوسط غير متكرّر فان التكلّم في الصغرى صفة فعلية و هذا واضح.
و إن شئت فقل على سبيل النقض: إن اللّه كما يتّصف بالكلام النفسي على زعمهم يتّصف بالكلام اللفظي باعترافهم، فلا بدّ لهم من القول بقدم اللفظي بعين هذا الوجه! فهذا التلفيق فاسد جدا.
٢- كلّ متكلّم يرتب الكلام في نفسه قبل التلفّظ به، و اللفظ كاشف عن الكلام النفسي المذكور، كما قال الأخطل:
|
إن الكلام لفي الفؤاد و إنما |
جعل اللسان على الفؤاد دليلًا |
|
و فيه: أن الكلام النفسي بهذا المعنى تصوّر الألفاظ لا غير، و لا نمنع عن إطلاق الكلام عليه غير أنه عين العلم، و دلالة اللفظ عليه ليست بلفظية بل هي عقلية كما في الافعال على ما قلنا سابقا.
٣- إن إطلاق الكلام على الموجود الذهني صحيح بلا عناية فيقال: في نفسي كلام، و في التنزيل و أسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور[١].
أقول: و هذا كما يقال: في نفسي أن أسافر غدا، و في نفسي صوم الجمعة، و هكذا، فهل للصوم و المسافرة مسافرة نفسية و صوم نفسي حتى يكون للكلام كلام نفسي؟
٤- إطلاق المتكلّم على الواجب صحيح، و معناه من قام به الكلام لا من أوجده؛ و لذا لا يقال: الذائق على من أوجد الذائقة، و لا المتحرك إلّا لمن قام به الحركة، و القائم به تعالى لا يكون إلّا قديما.
أقول: قد عرفت ضعفه، و إن قيام المبادئ بذويها على أنحاء مختلفة، و أنه ليس بحلولي دائما، فهذا الإشكال صدر عن غفلة و جهالة بأنحاء القيام، و إلا فيرد عليه استلزامه قدم الرزق و الخلق و غيرهما، كما هو واضح.
و في خاتمة البحث نقول: الدليل على إثبات أصل هذه الصفة للواجب هو إجماع الأنبياء و تواتر أخبارهم بأن اللّه أمر بكذا و نهى عن كذا، و الأمر و النهي من أقسام الكلام كما قالوا؛ و الثاني القرآن العزيز، و كلاهما يدلّ على الكلام اللفظي دون النفسي، فلا ملزم بل لا مجوز لهم أن يعتقدوا بالكلام النفسي القائم بذاته بعد قبولهم الكلام اللفظي، فتأمّل جيدا.
[١] الملك ٦٧/ ١٣.