صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٢٣ - المسألة الخامسة في القدر
صدر مقدورا عن فعل القادر ... الخ[١].
و في مختار الصحاح: قدر الشيء مبلغه.
قلت: و هو بسكون الدال و فتحها، ذكره في التهذيب و المجمل، و قدر اللّه و قدره بمعنى، و هو في الاصل مصدر ... و القدر أيضا ما يقدره اللّه من القضاء. إذا تقرّر ذلك فالكلام يقع فيه من جهات:
الأولى: في عموم تعلّقه بكلّي شيء، و هذا ممّا لا يحتاج إلى دليل؛ اذ كلّ شيء لا بد له من حدّ خاصّ من جميع الجهات بلا شك، و قد مرّ أن كلّ شيء- بجميع حالاته و أوصافه- ثابت في علم اللّه و مذكور في اللوح.
و لا نعنى بالقدر إلّا تحديد الشيء من جميع جوانبه، فقد ثبت أن كلّ شيء بقدر اللّه سبحانه، و لعلّه المؤمى إليه بقوله تعالى: إنا كل شيء خلقناه بقدر[٢]، و قوله تعالى: و كل شيء عنده بمقدار[٣]. و أما ما في تفسير الرازي من احتمال كون القدر في الآية الأولى بمعنى التقدير أو المقدار أو القدر المقابل للقضاء فمن الفضول؛ إذ المقدار و التقدير عين معنى القدر الذي هو مقابل للقضاء كما عرفت، و هو المدلول عليه لبعض الروايات أيضاو[٤]
الثانية: في أن النهي الوارد عن الكلام في القدر[٥] لا يشمل شرح مفهومه و بيان مدلوله كما فعلنا، بل الظاهر أنه راجع إلى السؤال عن علّة تقديره تعالى و أنّه لم قدّر كذلك؟ و ما قدر كذا؟
فإن عقول الناس لا تصل إلى علل الأشياء أبدا. فوزانه وزان قوله تعالى: لا يسئل عما يفعل[٦] و هذا الذي استظهرنا هو أحد احتمالي كلام شيخنا المفيد قدّس سرّه[٧] في هذه المسألة.
الثالثة: في أنه ذمّت القدرية في أخبارنا اشدّ الذمّ، و أن قوله تعالى: ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر[٨] نزل في حقهم. و ورد أيضا التحريض على الإيمان بالقدر و عدم التكذيب به[٩].
و قال الرازي عند تفسير هذه الآية: أكثر المفسرين اتّفقوا على أنّها نازلة في القدرية ...
[١] و قد تسكّن داله، و منه: ليلة القدر كما قال.
[٢] القمر ٥٤/ ٤٩.
[٣] الرعد ١٣/ ٨.
[٤] البحار ٥/ ٩٣ و ٩٥ و ١١٤ و غيرها.
[٥] البحار ٥/ ٩٧ و ١١٠ و ١٢٦.
[٦] الأنبياء ٢١/ ٢٣.
[٧] شرح عقائد الصدوق/ ٢٠.
[٨] القمر ٥٤/ ٤٨ و ٤٩.
[٩] و هذه الروايات منتشرة في أوائل الجزء الخامس من البحار.