صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٠٠ - تفتيش و تفنيد
نظام الطبيعة من فعله و إرادته و هو- لمكان علمه و قدرته و حكمته و غنائه- لا يريد إلّا الاصلح، فهذا النظام أكبر برهان على أن مبدأ العالم حي قادر عالم حكيم كامل، كما سياتي توضيحه فيما بعد، و العمدة إلى العل المادية في طول ارادة الخالق الحكيم، لا في عرضها، فلا تنافي بينهما، و قد خفى هذا الموضوع المهم العالي على المارسيين.
|
چشم باز و گوش باز و اين عمى |
حيرتم از چشمبندى خدا |
|
فاتضح أن ما نسجه عباد المادة لا يناسب الموازين العلمية و لا يرتبط بالنواميس العقلية، و إنما لداعي لهم إليه ما تقدّم من الأسباب، و صدق القرآن المجيد حيث يقول: و من الناس من يجادل في الله بغير علم و لا هدى و لا كتاب منير[١].
هذا كلّه في الأصل الأول من أصولهم الأربعة المتقدّمة، و من تزييفه و هدمه يظهر سقوط الأصل الثاني و الثالث منها أيضا، فيبقى الأصل الرابع و هو أن مبدأ العالم و مؤثّره ليس إلّا المادة المذكورة، و قد تقدّم تفسير المادّة و كيفية تشكيل الأجسام منها، و خلاصة القول: أنّ صلاحية المادّة للمبدئية المطلقة موقوفة على وجوبها الذاتي و عدم توقّفها على سبب آخر، كما هو ظاهر؛ و كونها واجبة الوجود و أزلية الثبوت متفرّع على بساطتها و عدم تركّبها اتفاقا- و لذا أنكروا تجزئتها أشد الإنكار، فإن التركب أمارة المسببية كما مر- و على أن حركتها من ذاتها لا من غيرها، و إلّاا كان فوقها قاهر محرّك يدبّرها، و كلا الأمرين باطل قطعا، فلا يمكن وقوف تعليل الموجودات على المادة المذكورة.
ثم ليعلم أنّا لا ننكر تركّب الأجسام من الذرّات تثبيتا لتركّبها من العناصر الأربعة المعروفة[٢] أو أكثر منها، و لسنا نحن بصدده فإنّه من مسائل العلوم الطبيعة، و إنما ننتقد كونها علّة العالم وحدها بحيث لا تحتاج إلى علّة فاعلية أخرى، فنقول:
أمّا كون المادة أو الأثير مركّبا فهو ممّا لا يدانيه شك و لا يمسّه ريب، و قد أكثروا الادلّة على ذلك و إليك بعضها:
١- كلّ موجود مادّي له جهات ستّ، و كلّ جهة منه غير جهة أخرى منه بالضرورة؛ إذ ليس جهتها اليمنى عين جهتها اليسرى، و لا جهتها الفوقانية عين جهتها التحتانية بالبداهة، و يستنتج منه أن كلّ ذرة- مهما فرض صغرها- مركبة من أجزاء ستّة و إن عجزت الآلات الصناعية عن تجزئتها في الخارج.
[١] الحج ٢٢/ ٣.
[٢] و هي الماء و التراب و الهواء و النار، و زاد عليها بعض علماء العرب ثلاثة أخرى: الكبريت و الزئبق و الملح، وعدها الباحثون الغربيون إلى ١٠٤ عناصر.