فقه الحدود و التعزيرات - الموسوي الأردبيلي، السيد عبدالكريم - الصفحة ١٥٢ - المطلب الثاني هل تقبل توبته ظاهرا
أضف إلى ذلك أنّا لا نجترئ أن نفتي بإراقة دم إنسان قد تاب إلى اللَّه تعالى و ندم من فعله بسبب ورود رواية واحدة يتطرّق فيها ما مرّ، و لا سيّما بملاحظة ما في سائر الروايات من لفظ: «لا يستتاب» دون «لا تقبل توبته». و من القريب جدّاً أنّ تعبير «لا يستتاب» المذكور في تلك الروايات كان في قبال معظم فقهاء العامّة و ردّ قولهم بوجوب الاستتابة مطلقاً حتّى في الارتداد الفطريّ.
و في الحقيقة فإنّ الحيثيّة التعليليّة الواردة في الأخبار راجعة إلى حيثيّة تقييديّة، فما ذكره الإمام عليه السلام في جواب من يسأله عن رجل ولد على الإسلام ثمّ كفر، هل أنّه يستتاب أو يقتل و لا يستتاب بقوله: «يقتل»، يفيد أنّه يقتل مع كونه في تلك الحال و ما دام مرتدّاً و لا يكون شاملًا لما بعد التوبة أصلًا.
و مجموع هذه الأمور يوقعنا في الشكّ، و قد مرّ أنّ الحدود بمعناها العامّ الشامل للتعازير تدرأ بالشبهات، و الاحتياط في الدماء أمر مطلوب جدّاً عند الشرع، و قد روي عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم أنّه قال: «ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن وجدتم للمسلم مخرجاً فخلّوا سبيله، فإنّ الإمام أن يخطئ في العفو خير له من أن يخطئ في العقوبة.»[١] و بما ذكرنا ظهر أنّ الأمر كذلك بالنسبة إلى الآثار و الأحكام المترتّبة على الارتداد أيضاً، فإذا تاب المرتدّ الفطريّ فهي لا تترتّب عليه.
أجل، يمكن أن يقال: إنّ ما ذكر من قبول توبته و عدم ترتّب أحكام الردّة عليه، يصحّ فيما إذا تاب قبل إثبات ردّته عند الحاكم أو بعد إثباتها و لكن قبل حكم الحاكم، و أمّا بعد إثبات الارتداد و حكم الحاكم عليه بالقتل و بينونة زوجته و تقسيم أمواله، فأقصى ثمرة التوبة هو نفي القتل عنه للاحتياط المطلوب في الدماء و لقاعدة الدرء دون سائر الآثار، فلا يعود ماله و زوجته إليه عملًا بالاستصحاب. و لكن مع ذلك في النفس منه شيء و قلق و اضطراب، و حينئذٍ فالعمل بما يقتضيه الاحتياط هو سبيل النجاة، فلا يقتل بعد التوبة،
[١]- السنن الكبرى، ج ٨، ص ٢٣٨.