شرح التّسهيل المسمّى تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد - ناظر الجيش - الصفحة ٥١٥ - حكم تقديم الجواب المقترن بالفاء على سببه
[حكم تقديم الجواب المقترن بالفاء على سببه]
قال ابن مالك : (ولا يتقدّم ذا الجواب على سببه خلافا للكوفيّين ، وقد يحذف سببه بعد الاستفهام ، ويلحق بالنّفي التّشبيه الواقع موقعه ، وربّما نفي بـ «قد» فينصب الجواب بعدها).
______________________________________________________
الحديث ناشئا عنه مترتبا عليه فصار مسببا عن الإتيان بالجعل لا بالعقل ، وإذا كان كذلك جاز أن يتخلف عنه ، وإذا جاز تخلفه عنه لم يلزم من وجود الإتيان على هذا وجود الحديث ومما يحقق ما قلته أن ابن الحاجب رحمهالله تعالى بعد أن قرر المعنى الأول قال [١] مشيرا إلى المعنى الثاني : وهو أن يقصد إلى أن الفعل الثاني لم يحصل عقيب الأول فكأنه نفى وقوعهما بصفة أن يكون الثاني عقيب الأول كما تقول : ما جاءني زيد وعمرو أي : ما جاءا بصفة الاجتماع ، ويجوز أن يكون أحدهما جاء. انتهى.
وعلى هذا المعنى وهو قصد نفي ترتب الثاني على الأول دون قصد نفي الأول قول النبي صلىاللهعليهوسلم : «لا يموت لأحد ثلاثة من الولد فتمسّه النّار إلّا تحلّة القسم» [٢] لأن النفي باشر «يموت» وليس المقصود نفيه ، بل المقصود نفي ترتب المس على هذا الذي ذكر وهو موت ثلاثة من الولد ، كما قصد نفي ترتب الحديث على الإتيان لا نفي الإتيان [٣].
وحاصل الأمر : أن الفاء تفيد السببية في جميع الصور التي ينتصب الفعل فيها بعدها إلا في إحدى صورتي النفي وهي الصورة التي ذكرناها وهي : ما تأتينا فتحدثنا ، إذا أردت : ما تأتينا محدثا بل غير محدث ، والذي أحوج إلى هذا الذي كتبته أن بعض الفضلاء استشكل قول النحاة : إن «الفاء» حيث نصب الفعل بعدها تكون للسببية ، ثم إنه رأى السببية لا تتصور في هذه الصورة إذا أردنا هذا المعنى ، والذي استشكله ظاهر والجواب عنه ما ذكرته ، والله تعالى أعلم.
قال ناظر الجيش : قال الإمام بدر الدين [٤] : لا يجوز تقديم الجواب بـ «الفاء» ـ
[١]انظر : الإيضاح شرح المفصل (٢ / ١٦).
[٢] أورده البخاري في باب الجنائز عن أبي هريرة رضياللهعنه ، انظر : صحيح البخاري بشرح السندي (١ / ٢١٧ ، ٢٣٩) والموطأ (١ / ٢٣٥) وانظر : الفائق في غريب الحديث للزمخشري (١ / ٣٠٦) ويعني بتحلة القسم : الورود والاجتياز كما في قوله تعالى : (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا)[مريم : ٧١].
[٣]هذا الكلام هو مضمون كلام ابن الحاجب في الإيضاح شرح المفصل (٢ / ١٦ ، ١٧).
[٤]انظر : شرح التسهيل للإمام بدر الدين (٤ / ٣٤).