الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة - البحراني، الشيخ يوسف - الصفحة ٢٨٩ - (المسألة الخامسة) ما تثبت به الطهارة بعد العلم بالنجاسة
و الى هذا الوجه أشار المحدث المتقدم ذكره بالدليل الثاني و هو عموم البلوى بذلك و مرجعه الى العمل بالبراء فالأصلية في مثل هذا الموضع كما تقدم ذكره في مقدمات الكتاب، و قد وجهه في موضع آخر من كتابه المتقدم ذكره قال: فان جمعا غفيرا من أصحابهم (عليهم السلام) منهم الأربعة آلاف رجل الذين هم أصحاب الصادق (عليه السلام) و تلامذته كانوا ملازمين لهم في مدة تزيد على ثلاثمائة سنة و كان همهم و هم الأئمة (عليهم السلام) إظهار الدين و ترويج الشريعة و كانوا لحرصهم على ذلك يكتبون كل ما يسمعونه خوفا من عروض النسيان لهم و كان الأئمة (عليهم السلام) يحثونهم على ذلك و ليس الغرض منه إلا العمل بذلك بعدهم، ففي مثل ذلك يجوز التمسك بالبراءة الأصلية إذ لو كان ثمة دليل و الحال كذلك لظهر.
على ان ما اعتمده هذا القائل- من ان يقين النجاسة لا يرتفع إلا بيقين الطهارة على إطلاقه- ممنوع:
(أما أولا)- فلعدم الدليل عليه و النصوص انما وردت بذلك بالنسبة إلى أصالة الطهارة و الحلية لبناء الأحكام الشرعية على السهولة و السماحة، و قياس النجاسة على ذلك قياس مع الفارق.
و (اما ثانيا)- فإنه منقوض بما ذهب اليه جمع من المحققين: منهم- المحدث المذكور من الحكم بطهارة الإنسان بمجرد الغيبة لأن معلومية الحدث من المكلف في اليوم و الليلة بالبول و الغائط مما لا سبيل إلى إنكاره فالحكم بنجاسته يقيني البتة فلو توقف الحكم بطهارته على يقين وجود ذلك لم يمكن الحكم بطهارة أحد من الناس بالكلية و لو اكتفى باخباره بالطهارة. فإنه لا يجوز الصلاة خلف الامام حتى يسأله عن ذلك، و كذا لو رأى في ثوب أحد نجاسة مثلا ثم رآه بعد ذلك خاليا من تلك النجاسة فإنه لا يجوز له استعماله و الصلاة فيه و ان يقتدي بإمام يصلي فيه حتى يسأله عن ذلك، و اللوازم كلها باطلة إذ لا قائل بها و لا دليل عليها بل الأدلة على خلافها ظاهرة.