مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ١٨٥ - (النوع الرابع) (في مقدمات أخر للصلاة)
الحرام عام الحديبيّة. فإنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما تقول لمن أذى صالحا واحدا: من أظلم ممّن أذى الصالحين، و مثله «وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ» [١] و المنزول فيه الأخنس بن شريق و هو في القرآن كثير، و لو قلنا: إنّ المراد جميع المساجد نظرا إلى عموم اللفظ أيضا فلا إشكال في العموم.
و كذا لو قيل: إنّ المراد بها جميع الأرض لقوله (صلّى اللّه عليه و آله): جعلت لي الأرض مسجدا و ترابها طهورا. و قد اعترف البيضاوي و الكشّاف بعموم التحريم.
«وَ سَعىٰ فِي خَرٰابِهٰا» إمّا بالهدم أو بتعطيل الذكر و يمكن حمله على ماله دخل في خرابها و يرجع فيه إلى العرف. فكلّ ما يعدّ تخريبا فهو حرام كهدم جدرانها و أخذ فرشها و اشغالها بما ينافي العبادة و غير ذلك. فيكون فيها دلالة على تحريم جميع ذلك كما قاله الفقهاء.
و يحتمل أن يكون إيرادا لما تقدّم بعنوان آخر موضحا لقبحه و بيانا لشدّته و مبالغة في التفضيح و التشنيع فيفيد أنّ المنع من الذكر سعى في خرابها، و قد يشعر بأنّ في الذكر تعميرا، و في المنع تخريبا بل لأنّ المنع تخريب و الذكر تعمير.
قيل: إنّ قوله «وَ مَنْ أَظْلَمُ» الّذي هو في قوّة ليس أحد أظلم ليس على عمومه لأنّ الشرك أعظم من هذا لقوله «إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ» [٢] و كذا الزنا و قتل النفس.
و أجيب بأنّ الظلم وضع الشيء في غير موضعه، و إذا كان المسجد موضوعا لذكر اللّه فيه فالمانع من ذلك وضع الشيء في غير موضعه فيكون ظالما، و أمّا أنّه لا أظلم منه فلأنّه إن كان مشركا فقد جمع مع الشرك هذه الخصلة الشنعاء فهو أظلم من الشرك وحدة، و إن كان يدّعي الإسلام ففعله مناقض لدعواه لأنّ من اعتقد أنّ له معبودا
[١] الهمزة ١.
[٢] لقمان ١٣.