مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٣٠٠ - (النوع التاسع)
قلت: و يؤيّد الرواية المذكورة ما رواه الشيخ أيضا في التهذيب في الصحيح عن معاوية بن وهب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) [١] قال: سألته عن الرجل يؤمّ القوم و أنت لا ترضى به في صلاة يجهر فيها بالقراءة. فقال: إذا سمعت كتاب اللّه يتلى فأنصت له، و ساق الحديث إلى أن قال: إنّ عليّا (عليه السلام) كان في صلاة الصبح فقرأ ابن الكواء و هو خلفه «وَ لَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَ إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخٰاسِرِينَ» فأنصت عليّ (عليه السلام) تعظيما للقرآن حتّى فرغ من الآية. ثمّ عاد في قرائته ثمّ أعاد ابن الكواء الآية فأنصت عليّ (عليه السلام) أيضا ثمّ قرء و أعاد ابن الكواء فأنصت عليّ (عليه السلام) ثمّ قال: فاصبر إنّ وعد اللّه حقّ و لا يستخفنّك الّذين لا يوقنون ثمّ أتمّ السورة ثمّ ركع قال الشيخ في التهذيب: ألا ترى أنّ أمير المؤمنين مع كونه في الصلاة أنصت لقراءة القرآن ثمّ عاد إلى قرائته لنفسه و أتمّ الصلاة بها، و ظاهره أنّه لو كان في غير الصلاة فالإنصات أولى و يظهر منه القول بوجوب ترك القراءة على المأموم مع السماع، و قد و الأخبار صرّح به في كتبه الفقهيّة و تابعه في ذلك جماعة من الأصحاب مستدلّين بظاهر الأمر في الآية الكريمة المعتبرة الإسناد الدالة على النهي عن القراءة مع السماع، و ما روي عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) إنّما جعل الإمام إماما ليأتمّ به فإذا كبّر كبّروا و إذا قرأ فأنصتوا [٢].
و في كلّ من الأدلّة نظر أمّا الآية فغير ظاهرة الدلالة على أنّ المراد بها إنصات المأموم بل يحتمل غيره احتمالا بيّنا على ما عرفت، فسقطت الدلالة، و الأخبار الدالّة على النهي عن القراءة مع السماع معارضة بمثلها، و من ثمّ ذهب إليه جماعة من الأصحاب إلى كراهة القراءة على ذلك التقدير جمعا بين الأخبار، و لا يخلوا الجمع عن تكلّف، و الحقّ أنّ المسئلة من المشكلات بسبب اختلاف الأخبار و أقوال الأصحاب و قد أوضحنا الحال في شرح الدروس.
[١] رواه في التهذيب ج ٣ ص ٣٥ الرقم ١٢٧، و روى شطرا منه في الاستبصار ج ١ ص ٤٣٠ الرقم ١٦٦١.
[٢] قد عقد البخاري له بابا انظر فتح الباري ج ٢ من ص ٢١٣ إلى ٢٢٢ و سائر كتبهم.