مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٢٩٥ - (النوع التاسع)
ذلك مسلوبو العقل لأنّ العقول تأبى مثل ذلك الفعل و تدفعه و هو توبيخ عظيم لهم، بيانه أنّ المقصود من البرّ إرشاد الغير المصلحة و تحذيره عمّا يوقعه في المفسدة و الإحسان إلى النفس أولى من الإحسان إلى الغير كما يشهد به العقل و النقل و فيه دلالة على كون القبح عقليّا، و قول التفتازاني: إنّ التوبيخ هنا مرتّب على ما صدر عنهم بعد تلاوة الكتاب و هو دليل كون القبح شرعيّا لا يخفى ما فيه لظهور أنّه مرتّب على قبح صنيعهم الّذي تدركه العقول. فتأمّل فيه.
و الآية ناعية على من يعظ غيره و لا يتّعظ هو نفسه فيقدم على سوء الصنيعة و خبث النفس.
و فيها حثّ للواعظ على أن يزكّى نفسه و يطهرها ممّا يصدر على لسانه في وعظه غيره، و لا شكّ أنّ الوعظ على ذلك التقدير أوقع في النفس، و أسرع سماعا، و في الحديث أنّ الموعظة إذا خرجت من القلب نفذت إلى القلب، و يجوز أن يكون التعجّب في الآية من جهة أنّ مثل هذه المواعظ تصير سببا للمعصية لأنّ الناس يقولون لو لا أنّ هذا الواعظ مطّلع على أنّه لا أصل لهذه التخويفات لما أقدم على المناهي فيكون داعيا لهم إلى التهاون بالدين و الجرأة على المعاصي، و هذا مناف للغرض من الموعظة.
و لا يليق الكلام بالعقلاء، و ليس في الآية دلالة على عدم جواز أمر الفاسق غيره بالطاعات مع ارتكاب المعاصي كما قاله بعضهم مستدلّا بهذه الآية، إذ لا قصور في أمر الفاسق غيره بالطاعة و وعظه بما يوجب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و إن كان حاله على خلافها، و الأصل يقتضي ذلك أيضا فإنّ الأمر بالمعروف واجب و فعله واجب آخر، و الإخلال بأحد الأمرين الواجبين لا يستلزم الإخلال بالآخر و الذمّ في الآية مرتّب على الشقّ الثاني و هو نسيان النفس عن فعل البرّ لا على مجموع الأمرين، و على هذا فيجوز لتارك الصلاة أمر غيره بها.
«وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلٰاةِ» قيل: هو خطاب للمسلمين، المؤمنين بالرسول (صلّى اللّه عليه و آله) لأنّ من ينكر الصلاة و الصبر على دين محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) لا يقال له: استعن بالصبر و الصلاة.