غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٤١ - النوع الخامس مما يحرم التكسب به
للوجوب فيجب عليه الاستعفاف عن بقية الأجرة و ان كان اجرة المثل أقل فإنّما يستحق عوض عمله فلا يحل له أخذ ما زاد عليه مع ان العمل لو كان لمكلّف يستحق عليه الأجرة لم يستحق أزيد من اجرة مثله فكيف يستحق الأزيد مع كون المستحق عليه يتيما مضافا الى انه فسّر الأكل بالمعروف بالقوة في صحيحة عبد اللّه بن سنان هكذا قرر بعضهم حجة هذا القول و لكن لا يخفى عليك ان ما قبل الصحيحة من الوجه لا ينطبق على القول بإطلاق جواز أخذ أقل الأمرين بالنسبة إلى الفقير و الغنى لأنه اعترف في طي الاستدلال بكون الأمر بالاستعفاف للوجوب نعم الاستدلال بالصحيحة لا بأس به مع حمل الأمر في الآية على الاستحباب حجة القول الرابع ان العمل ربما كان قليلا و القوت كثيرا فيؤدي إلى الإضرار باليتيم زيادة على المكلف فلا بد من اعتبار اجرة المثل هذا في صورة الفقر و اما في صورة الغنى فيجب استعفافه (مطلقا) عملا بظاهر الآية حجة القول الخامس ما تقدم من الوجه الأول من حجة القول الثالث لان الآية بعد كون الأمر فيها للوجوب تنطبق على التفصيل بين الفقير و الغنى بالتقريب المذكور في ذلك و كذا يصحّ التمسّك بالصحيحة المذكورة مع كون الأمر في الآية للوجوب و أوجه الأقوال هو القول الرابع و هو يتضمن دعويين أوليهما ان المأخوذ انّما هو اجرة المثل و ثانيتهما ان مستحق الأخذ انما هو الفقير دون الغنى لنا على أوليهما صحيحة هشام بن الحكم قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عمن تولى مال اليتيم إله ان يأكل من أموالهم فقال ينظر الى ما كان غيره يقوم به من الأجر لهم فليأكل بقدر ذلك و يكون هذا مفسرا للمعروف في الآية مضافا الى انّ الأكل بالمعروف يصدق على اجرة المثل اما صدق الأكل فلشيوع استعماله في مطلق التصرف كما في قوله (تعالى) وَ لٰا تَأْكُلُوهٰا إِسْرٰافاً وَ بِدٰاراً أَنْ يَكْبَرُوا و قوله (تعالى) وَ لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ و قوله (تعالى) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰالَ الْيَتٰامىٰ و غير ذلك من الآيات و الاخبار و دعوى كون أخذ مقدار الكفاية على التدريج أقرب الى المعنى الحقيقي مردودة على مدعيها من جهة ان المناط في المجاز انما هي الأقربية العرفية التي لا تتحقق إلا بكثرة الاستعمال و هي غير متحققة في الأكل بالنسبة الى ذلك المعنى المدعى و ما ذكر في طي الاستدلال انما هي الأقربية الاعتبارية التي لا عبرة بها على ما حققناه في محله و اما صدق المعروف فلان اجرة المثل عبارة عما يعد اجرة عند متعارف الناس لمثل ذلك العمل إذ من المعلوم انه ان كانت اجرة المثل أقل من قدر كفايته فالمعروف بين الناس ان الإنسان يأخذ عوض عمله من غير زيادة عن عوضه المعروف و هو اجرة مثله و مثل هذا يسمى أكلا بالمعروف و الزيادة عليه أكلا بغير المعروف و كذا الحال في الطرف المقابل ثم انا نزيد على هذه الجملة و نقول ان ما تقدم من صحيحة هشام بن الحكم أظهر من الاخبار الأخر الواردة في تفسير الأكل بالمعروف فيحمل الظاهر على الأظهر فمنها موثقة سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) من كان يلي شيئا لليتامى و هو يحتاج ليس له ما يقيمه فهو يتقاضى أموالهم و يقوم في ضيعتهم فليأكل بقدر و لا يسرف و ان كان ضيعتهم لا تشغله عما يعالج نفسه فلا يرزأنّ أموالهم بل نقول ان قوله (عليه السلام) فليأكل بقدر و لا يسرف لا يخلو عن ظهور في اجرة المثل و قوله (عليه السلام) في ذيلها فلا يرزأن بالراء المهملة قبل الزاي المعجمة معناه لا ينقص و النون في أخر الكلمة للتأكيد و منها صحيحة عبد اللّه سنان عنه (عليه السلام) (أيضا) قال سئل و انا حاضر عن القيم لليتامى و الشراء لهم و البيع فيما يصلحهم إله ان يأكل من أموالهم فقال لا بأس ان يأكل من أموالهم بالمعروف كما قال اللّه عزّ و جل فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ و وجه كون صحيحة هشام بن الحكم أظهر من هذه الصحيحة هو انه يحتمل احتمالا غير بعيد ان يكون المراد بالقوت ما يكتفى به بحسب المتعارف كما يحتمل ان يكون المراد به ما يؤكل ليمسك الرمق كما في المصباح عن ابن فارس و الأزهري و غاية ما هناك ان يكون ظاهرا في الأول لكن صحيحة هشام أظهر في الأجرة المثل و لو جعل ظاهرا في الثاني لم ينطبق على الشيء من الأقوال و منها خبر ابى الصباح عنه (عليه السلام) في تفسير الآية فان ذاك الرجل يحبس نفسه عن المعيشة فلا بأس ان يأكل بالمعروف إذا
كان يصلح لهم أموالهم فإن كان المال قليلا فلا يأكل منه شيئا و ذيله يعطي ان العمل إذا كان ليس له اجرة فلا يأخذ شيئا لأن لازم قلة المال هو كون العمل فيه لا يلحقه اجرة و منها رواية أبي بصير المحكية عن تفسير العياشي في الآية المذكورة عنه (عليه السلام) (أيضا) قال هذا رجل يحبس نفسه لليتيم على حرث أو ماشية و يشغل فيها نفسه فليأكل منه بالمعروف و ليس له ذلك في الدراهم و الدنانير التي عنده موضوعه و منها رواية زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) في الآية فقال ذاك إذا حبس نفسه في أموالهم فلا يحترف لنفسه فليأكل بالمعروف من مالهم بناء على ان ذلك اجرة مثله لغلبة عدم زيادة احتراف الناس على ما يحتاجون إليه في أقواتهم بل يمكن ان يكون ما ذكرنا هو المراد بمضمرة محمّد بن مسلم المحكية عن تفسير العياشي سالته عن رجل بيده ماشية لابن أخ يتيم في حجره أ يخلط أمرها بأمر ماشيته فقال ان كان يليط حياضها و يقوم مهنتها و يرد شاردها فليشرب من ألبانها غير مجهد و لا مضر بالولد ثم قال و ان كان غنيا فليستعفف و موثقة حنان قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) سئلنى عيسى بن موسى عن القيم للأيتام في الإبل ما يحل له فيها قال إذا لاط حوضها و طلب ضالها و هنا جرباها فله ان يصيب من لبنها من غير نهك بضرع و لا فساد لنسل بناء على ان ذلك أجر مثل ذلك أو شيء منه رخص فيه باعتبار كونه منه و النهك المبالغة في كل شيء و المراد به هنا التشديد على الضرع بالحلب على وجه يصيبه الأذى أو العيب و المراد بفساد النسل إسقاط الجنين أو ما يورث عيبا فيه و لنا على ثانيتهما قوله (تعالى) وَ مَنْ كٰانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ و دعوى أن المارة مشعرة بالندب يتجه عليها أوّلا انّا نمنع من ذلك فقد ذكر بعضهم ما يعطى ان معنى المادة هو الامتناع قال في المصباح عف عن الشيء يعف من باب ضرب عفة بالكسر و عفافا بالفتح امتنع عنه بل صرّح بعضهم بان معنى العفة بالكسر و العفاف و العفافة بالفتح و الاستعفاف و التعفف هو الاحتراز عن القبائح و المحرمات فدعوى إفادتها للندب لا وجه لها و ثانيا انه ليس المدعى سوى الاشعار و هو لا يقاوم ظهور الهيئة في الوجوب خصوصا بعد ملاحظة سياق الآية من مقابلة الغنى بالفقير المرخص فإنه أقوى شاهد على ارادة التحريم بالنسبة إلى الغني و الا كان اللازم الترخيص (مطلقا) ثم تخصيص الغنى باستحباب التنزه عن الأخذ و اما ما افاده صاحب الجواهر (رحمه الله) بقوله ان الآية و ان اشتملت على الأمر الظاهر في الوجوب خصوصا في أوامر الكتاب لكن المادة تشعر بالندب فيضعف الظن بإرادته منه على وجه يعارض ما سمعته من القاعدة و الصحيح و غيرهما سيّما في الأعمال التي لا يجب عليه مباشرتها كالتنمية و نحوها فدعوى ان له بذل الأجرة للغير دون نفسه واضحة الفساد بل هي (كذلك) في كل عمل كان له ذلك فيه ضرورة عدم الفرق بينه و بين غيره في ذلك بل لعله اولى باعتبار بقاء نظره على مال الطفل و احتياطه عليه و من ذلك يظهر ضعف التفصيل بين الفقير و الغنى في الاستحقاق و عدمه انتهى فمدفوع بما عرفت (فحينئذ) لا يبقى مجال للتمسّك بالقاعدة التي هي كون عمل المتولي محترما مستحقا للأجرة عليه لان كثيرا من الأعمال المحترمة قد أمر الشارع ببذلها للغير مجانا كالقضاء و تجهيز الميت