غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٥٥ - المسألة الثانية جوائز السلطان و عماله و صور المسألة
الأصل و إطلاق الأدلّة هو الأوّل و مقتضى مرسل السرائر من انّه روى انّه بمنزلة اللقطة هو الثاني و يؤيده ما ورد في وديعة اللّص لمشاركة ما نحن فيه له في المعنى حيث ان كلّا منهما مال لمالك مجهول و قد وقع في يده و مقتضى الاستصحاب و الاحتياط هو الثالث و مقتضى الأصل هو الرابع و هذا البيان انما هو معنى ما ذكره بعض مشايخنا و ألفاظ بعض المعاصرين في كتابه و قال عقيبها بلا فصل و لا يخلو يعنى الرابع من قوة بل لعلّ إطلاق الخير فاض به (أيضا) بناء على عدم فهم اعتبار البأس منه و انّما قلنا به للإجماع عليه و نحوه فان ذلك انّما يسلم إذا لم يمض الحول عليها و الا فحل نظر بل ربما يستظهر من الأكثر الاجتزاء بالحول في جواز الصدقة و ان لم يحصل اليأس كاللقطة و عن التحرير ان اجراء حكم اللقطة هما غير بعيد فتأمل جيدا انتهى و أنت خبير بان من يقول بوجوب الفحص انما يقول به من باب المقدّمة من جهة توقف الأداء الواجب عليه إذ لم يقم عليه دليل تعبدي و معلوم انّه (حينئذ) انّما يكون (حينئذ) بحكم العقل و لا يكون المرجع عند الشك فيه الا العقل و لا وجه للتمسك بأصل البراءة حيث شك في سقوطه كما هو الشأن في جميع ما يحكم به العقل من المقدمات الواجبة بحكمه و غيرها و لا ريب ان العقل لا يرفع حكمه بوجوب الفحص الا بعد الياس و إذا تحقق حكم بعدم الوجوب و السر فيه انه مع الياس يرتفع أصل وجوب الرّد الذي هو ذو المقدّمة فيرتفع وجوب مقدمته و الا فوجوب ذي المقدمة ما دام باقيا كان وجوب المقدمة أيضا باقيا فان العقل كما يحكم ابتداء بوجوب المقدمة (كذلك) يحكم ببقاء وجوبها ما دام وجوب ذي المقدّمة باقيا و قد ذكرت هذا لشيخنا المشار إليه فأجاب بأن التعريف هنا (أيضا) قد وقع في الأدلّة الشرعية فيحمل على المتعارف و ذلك في خبر حفص بن غياث الوارد في وديعة اللص المذكور في كلام (المصنف) (رحمه الله) و فقهاؤنا عارفون بمذاق أهل البيت (عليه السلام) فاستدلوا بإيجاب الفحص هناك على إيجابها هنا و أنت خبير بما فيه امّا أوّلا فلأنهم لم يتمسكوا به هنا الإيجاب الفحص و سيصرح (المصنف) (رحمه الله) بأنّهم لم يتعدّوا من الوديعة المجهول مالكها الى مطلق ما يعطيه الغاصب و لو بعنوان غير الوديعة في ما نحن فيه و لو فرضنا الاستدلال به على الحكم به هنا من بعضهم كان قياسا لا نقول به و امّا ثانيا فلان مدلول ذلك الخبر هو صيرورة حكم الوديعة من اللصّ بمنزلة اللقطة و التعريف بها حولا كما هو صريح ذلك الخبر و ليس المراد هنا إثبات التعريف سنة فتدبر ثم انّه لو فرض قيام دليل تعبدي على وجوب الفحص فشك في مقداره فلا بد و ان يكون المعوّل عليه هو الاستصحاب ما دام الشكّ باقيا و لا مجال لاحتمال التمسك بأصل البراءة فان قلت إذا اعترفت بان العقل يحكم بوجوب الفحص من باب المقدّمة فكيف ساغ لك الحكم بعدم وجوبه قبيل هذا قلت العقل انّما يحكم بوجوب مقدّمة الواجب المطلق و من يحكم بوجوب الفحص من باب المقدّمة يزعم ان وجوب الأداء مطلق بالنسبة إلى معرفة المالك و نحن قد استفدنا من قوله (عليه السلام) فمن عرفت منهم رددت عليه ماله و من لم تعرف تصدقت كون وجوب الأداء مشروطا بالنسبة إلى المعرفة و مقدمة الواجب المشروط ليست واجبة فلا تجب المعرفة المتحصلة بالفحص و قد ظهر مما ذكرنا من كون وجوب الفحص عند القائل به عقليا سقوط التمسّك بالاستصحاب لاعتبار أبعد الأمرين لأن حكم العقل لا يستصحب كما حقق في الأصول و اما مرسل السّرائر فهو مع ما عليه من الإرسال و ما ذكره المرسل من رده بقوله و هذا بعيد عن الصواب لأن إلحاق ذلك باللقطة يحتاج الى دليل انتهى غير معمول به عند الأصحاب و كون ظاهر الأكثر الاجتزاء بالحول ممنوع و لم يتحقق غاية ما هناك ان العلامة (رحمه الله) نفى البعد عن اجراء حكم اللقطة عليه في محكي التحرير و امّا الخبر الذي أشار اليه و هو رواية أبي حمزة فهو أجنبي عن حديث الياس لا مساس له به وجودا و عدما كما لا يخفى على من تدبر و يبقى الاحتياط بالنسبة إلى الوجه الثالث و (حينئذ) نقول ان أريد به الاحتياط الواجب فلا وجه له لعدم ثبوت التكليف على وجه يشك في المكلف به لما عرفت من كون الحكم بوجوب الفحص و بقائه عقليا على القول به و ان أريد
الاحتياط المندوب فلا نمنعه لكنه خارج عن المقصود بالبحث هذا و ممن لم يقيّد بالسّنة ابن إدريس (رحمه الله) حيث قال فان لم يعرفهم عرف ذلك المال و اجتهد في طلبهم و المحقق الثاني (رحمه الله) حيث قال ينبغي ان يكون ذلك بعد اليأس من الوصول اليه و الى وارثه بعد موته و الشّهيد الثّاني (رحمه الله) في (المسالك) حيث قال و انّما يجوز الصدقة عنه بها مع الياس من معرفته و الوصول اليه
قوله ثم ان المناط صدق اشتغال الرّجل بالفحص نظير ما ذكروه في تعريف اللقطة
أراد بهذا الكلام انّه لا يعتبر التوالي في التعريف و انما يكفي صدق اشتغاله به عرفا و وافقه بعض المعاصرين حيث قال و يكفى صدق الاشتغال بالفحص عرفا نظير تعريف اللقطة و سلك مسلكها بعض من تأخر و زاد ان ما ذكروه في باب اللقطة من التعريف و الفحص المتعارف موافق للقاعدة ولي فيه تأمل لأن لفظ التعريف قد وقع في الأدلة الشرعية الواردة في اللقطة فحمل على المتعارف و ليس هنا دليل شرعي لفظي و الحاكم بوجوب الفحص انما يقول به من باب المقدمة لوجوب أداء الأمانة إلى أهلها بحكم العقل فهو (حينئذ) إنّما يحكم بوجوب ما يتحقق به الأداء فلا يكتفى بمجرد المسمى مع إمكان ما فوقه خصوصا مع اعترافه سابقا في بعض صور المسئلة بان ترك الأداء ظلم فلا يصحّ الاكتفاء (حينئذ) بصدق الاشتغال بالفحص عرفا بل لا بد من الاشتغال بالمقدور و الممكن
قوله و الإنصاف ان الرواية يعمل بها في الوديعة أو مطلق ما أخذ من الغاصب بعنوان الحسبة للمالك لا مطلق ما أخذ منه حتى لمصلحة الأخذ
اعلم ان التعدي من وديعة اللص الى مطلق وديعة الغاصب أو مطلق ما أخذ منه على الوجه المذكور في كلام (المصنف) (رحمه الله) غير مسلم عندي فلا يتقيد الفحص في وديعة الغاصب الذي هو غير اللص بالسنة و انّما نعمل بالرّواية في موردها تعبدا من دون تعد الى غيره فإنهم لم يجمعوا على الإلحاق لأن الفتوى في أصل وديعة اللص ليست اجماعية و انما نسبه في الجواهر في كتاب اللقطة إلى المحقق (رحمه الله) و جماعة فكيف بفرعها الذي يراد الحاقه بها و هو وديعة الغاصب التعدي قياس لا نقول به و ليس في لفظ الرواية إشعار بالتعدي فكيف بالدلالة فافهم
قوله ثم القول بالتصدق هو (المشهور) فيما نحن فيه أعني جوائز الظالم و نسبه في السّرائر إلى رواية أصحابنا
قال في السرائر و يجب عليه ردها على أربابها إن عرفهم فان لم يعرفهم عرف ذلك المال و اجتهد في طلبهم و قد روى أصحابنا انه يتصدق به عنه و يكون ضامنا إذا لم يرض بما فعل و الاحتياط حفظه و الوصية به و قد روى انّه يكون بمنزلة اللقطة و هذا بعيد عن الصواب لأن إلحاق ذلك باللقطة يحتاج الى دليل انتهى و قد عرفت انه جعل الاحتياط في الحفظ و الوصية و ذلك خلاف الرواية التي نسبها إلى الأصحاب و خالف العلامة (رحمه الله) فيما ذكر حيث خيّر في التذكرة بين الصّدقة و الحفظ و الدفع الى الحاكم قال (رحمه الله) فيها و ان لم يعرفه يعنى المالك تصدق بها و يضمن أو احتفظها امانة في يده أو دفعها الى الحاكم انتهى و عن مفتاح الكرامة انهما معا خلاف الاحتياط