غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣٩ - الرابع يجوز الانتفاع بالدهن المتنجس في غير الاستصباح
إذا جففا بحيث ارتفع عنهما الرطوبة و القيا في الماء الكر أو الجاري مثلا فبقيا مدة يسرى فيهما الماء الى اعماقهما طهرا قطعا (فحينئذ) نقول انه يجوز بيع الدهن المتنجس ليعمل صابونا لكونه مما له حالة فيها يقبل التطهير و ان أبيت عن قبول الصابون للطهارة بالوجه المذكور فقل ان حاله حال الدراهم و الدنانير التي تعملها أهل الشرك فيتنجس الذهب و الفضة في حال ذوبهما فكما ان لهما حالة قبل فيها الطهارة و هي ما بعد الجمود لان ظواهرها تطهر و بهذا الاعتبار يصحّ استعمالها و الاكتساب بها (فكذلك) الصّابون فإنه يطهر ظاهره بعد الجمود ثم بعد الاستعمال في غسل الثياب مثلا يقبل ظاهر ما بقي منه الطهارة إذا غسل بماء مطهر و هكذا لكن هذا الطريق و ان أوجب قبول نفس الصابون الطهارة الا انه يشكل الحال في رغوته فيسري فيه البحث عن ان المتنجس و هي الرغوة هل يجوز استعماله أم لا فالوجه هو الأول فالجواب ان قبول الصّابون للطهارة بالوجه الأول مسلم كالجبن كما ان قبولها بالوجه الثاني مسلم لكن يشكل الأمر في رغوته كما ذكر الا ان ذلك لا ينفع في تجويز بيع الدهن المتنجس لأن الذي له حالة يقبل فيها التطهير انما هو الصّابون دون الدهن المتنجس لانه قد استحال إلى شيء أخر و هذا الجواب ذكره بعض من تأخر ولي فيه نظر لعدم تحقق استحالة الدهن في الصّابون بل المحقق خلافه و يشهد بذلك انه لو تحققت لطهر بالاستحالة الا ان يقال ان المانع من الطهارة (حينئذ) امتزاجه بما تنجس به فبعد استحالته لا يستحيل ما امتزج به و هو متنجس فلا يقبل الطهارة لكن انه لو استحال الدّهن لاستحال ما امتزج به لان التغيير عن الحالة الأولى موجود في كليهما فدعوى استحالة أحدهما دون الأخر تحكم فتأمل و بعد ذلك كله نقول ان دعوى استحالة الدهن في الصّابون يكذبه الوجدان و ليس حاله الأمثل حال اللبن الذي صار جبنا و هذا القدر من تبدل الحال و الوصف لا يتحقق به الاستحالة ثم نقول بعد ذلك انه يصحّ ان يقال ان للدهن حالة يقبل فيها التطهير في ضمن الصابون كما انك تقول في الذهب و الفضة المتنجسين في حال ذوبانهما ان لهما حالة يقبلان فيها التطهير و هو ما بعد الجمود فتأمل ثم ان ما ذكر من قياس الصابون بالذهب و الفضة ليس في محله لان لهما بحسب ما يقصد بهما من الانتفاع حالة يقبلان فيها الطّهارة و هي حالة الجمود و ليس للصابون بحسب ما يقصد به من المنفعة و هو التنظيف و الغسل به حالة طهارة لأن مجرد طهارة ظاهره لا يحصل ما هو الغرض المقصود فيشكل الحكم بجواز البيع لمجرد تلك الحالة الغير المفيدة فتحصّل من جميع ما ذكرنا ان الحق جواز الانتفاع بالمتنجس (مطلقا) و يؤيده ما أشار إليه المحقق الأردبيلي (رحمه الله) من ان الاستصباح قد ذكر في النص من باب المثال و انه لا خصوصية له من بين فوائد الدهن و لهذا قوبل بالنهي عن الأكل و كان ذلك لسهولته بالنسبة إلى باقي المنافع و غلبة الاحتياج اليه لا لخصوصية فيه نعم يستثني من الانتفاعات المتعلقة بالمتنجس صورتان أشار إليهما (المصنف) (رحمه الله) في طي كلامه إحديهما استعماله في الأكل و الشرب و فيما هو مشروط بالطهارة كالصلاة و نحوها و ثانيتهما ما لو كان الاستعمال على وجه عدم المبالاة بالنجاسة الموجب لعدم المبالاة بالدّين
قوله فمنها قوله تعالى إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصٰابُ وَ الْأَزْلٰامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطٰانِ فَاجْتَنِبُوهُ
قال في مجمع البحرين بعد ذكر هذه الآية قيل الرجس بالكسر القذر و قيل العقاب و الغضب كما نقله الفرّاء في قوله (تعالى) كَذٰلِكَ يَجْعَلُ اللّٰهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لٰا يُؤْمِنُونَ ثم قال بعض الأفاضل الرجس و ان كان بمعنى القذر و هو أعم من النجاسة الا ان الشيخ (رحمه الله) قال في التهذيب ان الرجس هو النجس بلا خلاف و ظاهره انه لا خلاف بين علمائنا في انه في الآية بمعنى النجس انتهى و أقول ان الالتزام بكون الرجس في الآية هو خصوص النجس مما يأبى عنه مساقها لانه قد جعل فيها خبرا عن الخمر و الميسر و الأنصاب و الأزلام و من البين انه كما يصحّ الاخبار بالنجاسة عن الخمر (كذلك) يمتنع الاخبار بها عن قرينتيه؟؟؟ الذين هما الأنصاب و الأزلام فلا بد و ان يكون بمعنى عام يصح حمله على الجميع و هو القذر أو العقاب و الغضب بمعنى سبب العقاب و الغضب
قوله و من بعض ما ذكرنا يظهر ضعف الاستدلال على ذلك بقوله تعالى وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ بناء على ان الرجز هو الرجس
قال في مجمع البحرين الرجز بكسر الراء أو ضمها اما العذاب كما هو قول الأكثرين فيكون الأمر بهجرانه امرا بهجران أسبابه الموجبة له أو النجاسة فهو (حينئذ) صريح في وجوب توقّي النجاسة في الصّلوة و كذا قاله بعض المفسرين و فسره البعض بالأوثان و سميت رجزا لأنها سبب الرجز الذي هو العذاب انتهى و من ذلك يعلم الوجه في تقييد (المصنف) (رحمه الله) بقوله بناء على ان الرجز هو الرجس ثم ان بعض ما ذكره (رحمه الله) عبارة عن ان الرجس ما كان (كذلك) في ذاته لا ما عرض له ذلك فيختص بالعناوين النجسة و هي النجاسات العشر مع انه لو عم المتنجس لزم ان يخرج عنه أكثر الأفراد فإن أكثر المتنجسات لا يجب الاجتناب عنه فلبس المتنجس و التوسد عليه و التدثر به بل الجوامد كلها خارجة عن حرمة الانتفاع بها و كذا المائعات القابلة للتطهير اما بالاتصال بالماء المطهر أو بالامتزاج به أو كونها مما له حالة يقبل فيها التطهير كالعجين المتنجس و نحوه بناء على انه له حالة هي التجفيف يقبل فيها التطهير (أيضا) و كونها قد تنجست بنفس ذلك الاستعمال كتنجس الدهن عند ادهان جلد الحيوان أو الإنسان النجس كما لو كان فيه جرح يدمي فان الدهن يتنجس بأول الاستعمال فتتميم ذلك الاستعمال يصير من قبيل استعمال المتنجس و ليس بمحرم كما أشار إليه بعض من قال بأن الأصل حرمة الانتفاع بالمتنجس كصاحب الجواهر و حيث قال يمكن القول باقتصار المنع على المتنجس سابقا قبل الاستعمال امّا ما تنجس به كطلي الأجرب مثلا فلا انتهى و كذا ما يقبل ظاهره التطهير بعد الجمود كالقير و الفضة و الذهب و نحوها إذا تنجست مايعة ثم جمدت فلا بأس بالتكسب بها مايعة باعتبار ان لها حالة يقبل ظاهرها التطهير فيها و به يحصل النفع المقصود و كذا الدهن المتنجس بالاستصباح به و كذا التبرد بالماء المتنجس بصبه على جلدة إذا كان مقصوده بعد ذلك المتطهر لمشروط بالطهارة و غير ذلك مما يشمله التقلب في المتنجس مما ليس بمجرم كالخضاب بالحناء المتنجس و بل الصّبغ و الطين بالماء المتنجس
قوله إذ لا يخفى ان المراد هنا حرمة الأكل بقرينة مقابلته بحل الطيبات
كون المراد بحل الطيبات هو أكلها اما من جهة الظهور العرفي لو من جهة وقوع التصريح في ايات عديدة بحل الطيبات فيصير قرينة على ان المحذوف من جنس المذكور
قوله و فيه ما تقدم من ان المراد بوجوه النجس عنواناته المعهودة لأن الوجه هو العنوان و الدهن ليس عنوانا للنجاسة و الملاقي للنّجس و ان كان عنوانا للنجاسة لكنه ليس وجها من وجوه النجاسة في مقابل غيره و لذا لم يعدوه عنوانا في مقابل العناوين النجسة
أورد عليه بعض المعاصرين بان المتبادر من الوجه انما هو مطلق الجهة و العنوان و لو بقرينة التعليل و عدم تعداده بالخصوص غير قادح لكفاية العموم له عن ذلك كما في باقي النجاسات بل قد يكون قوله أو شيء من وجوه النجس معطوفا على وجه من وجوه الفساد فيكون كالنص في خصوص الملاقي له و أنت خبير بان توجه المنع الى ما ذكره من التبادر جلي و صيرورة التعليل قرينة انما يتم لو كان كل واحد من النهى عن الأكل و الشرب و اللبس و الإمساك و التقلب علة مستقلة حتى تتم صيرورته قرينة بان أكل المتنجس حرام قطعا و ليس (كذلك) بل التعليل انما هو بالمجموع و يصير حاصله كون الشيء منهيا عنه (مطلقا) بحيث يحرم جميع منافعه أو يحرم منافعه الظاهرة كما ذكره (المصنف) (رحمه الله) سابقا في معيار كون الشيء منهيا عنه الموجب لحرمة التكسب به و (حينئذ) نقول ان المتنجسات لم يعلم كونها منهيا عنها بقول (مطلقا) بحيث يحرم جميع منافعه أو يحرم منافعه الظاهرة حتى ان المتنجس لو كان من قبيل الملبوس حرم لبسه مثلا فكيف يكون التعليل قرينة على دخول المتنجسات و اما قوله و عدم تعداده بالخصوص غير قادح لكفاية العموم من ذلك كما في باقي النجاسات ظاهره ان عدم تعداده في الحديث غير قادح لان عموم قوله أو شيء من وجوه النجس يكفي في إفادة المطلوب و يشهد بذلك انه اكتفى فيه عن ذكر باقي أفراد النجاسات الغير المذكور في الحديث بذكر العموم فيه و على هذا يكون الكلام أجنبيا عن تعداد