غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٩١ - المسألة الثانية عشرة مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه الغش
جواز دفع السّحر بالسّحر و إبطاله به على حالة الاضطرار بان يتحقق السحر الأول و لا يمكن رفع أثره إلا بالسحر الثاني لا على حالة مجرد دفع ضرر السحر و لو قبل وقوعه بان يعمل السحر لدفع ما يحتمل ان يوقع من السحر بان يعمل هو السّحر لغرض دفع تأثير السحر لو أوقع به بعد ذلك فان ذلك مما يمكن بغير السحر من الأدعية و التعويذات التي تستصحب أو تقرء لدفع تأثير ما يوقع بالمستصحب أو القاري من السحر و انما حملوا ما دل على الجواز على صورة الاضطرار التي هي ما بعد الوقوع لأن إبطال السحر عبارة عن رفع مسببه الذي هو أثره و لهذا يعبرون عن إبطاله بالحل ضرورة ان الحل لا يصدق الا بعد العقد الذي لا يتحقق الا بعد وقوع السّحر
قوله و ربما حمل اخبار الجواز الحاكية لقصة هاروت و ماروت على جواز ذلك في الشريعة السّابقة و فيه نظر
لان الظاهر من مثل قوله (عليه السلام) في خبر الاحتجاج الذي هو من جملة تلك الاخبار و أقرب أقاويل السّحر الى الصواب انه بمنزلة الطب هو ان كونه بمنزلة الطب أقرب الى الصواب انما هو بحسب هذه الشريعة لا شرائع من كان قبل نبيّنا (صلى الله عليه و آله و سلم) من الأنبياء (عليه السلام) لان المعتاد في كل أهل دين إذا أخبروا عن حكم شرعي بقول مطلق هو الاخبار عما هو حكم من أحكام ذلك الدّين و يلتزمون التقييد عند الاخبار عمّا هو حكم في غير ذلك الدين خصوصا إذا كان المخبر من رؤساء الدين خصوصا إذا كان هو الامام (عليه السلام)
[المسألة الحادي عشرة مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه الشعبذة]
قوله الشعبذة
هو بالذال المعجمة كما يدلّ عليه ذكرها في كتب اللغة في باب ما أخره الذال المعجمة مضافا الى تصريح صاحب المصباح حيث قال شعوذ الرّجل شعوذة و منهم من يقول شعبذة شعبذة و هو بالذال المعجمة و ليس من كلام أهل البادية و هي لعب يرى الإنسان ما ليس له حقيقة كالسّحر انتهى
[المسألة الثانية عشرة مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه الغش]
قوله الغش حرام
الغش بالفتح مصدر و بالكسر اسم مصدر و معناه عدم إيضاح حقيقة الحال و تزيين خلاف المصلحة قال في المصباح غشه غشا من باب قتل و الاسم الغش بالكسر لم يتضحه و زين له غير المصلحة و لبن مغشوش مخلوط بالماء انتهى و في شرح القاموس الغش بفتح الغين و تشديد الشين فعل الخيانة بشخص على وجه النفاق و إظهار النصح له أو فعل الخيانة بإظهار خلاف ما في الضمير و مرجعهما إلى الخيانة يقال غشه غشا من الباب الأول إذا لم يمحضه النصح أو أظهر له خلاف ما أضمره و الغش بكسر الغين اسم مصدر و معناه الخيانة على الوجه المذكور يقال لا تسمعه ففي نصحه و دلالته غش اى عدم محض و يطلق على الحقد المضمر في القلب يقال له في قلبه غش اى غلّ و حقد و المغشوش الشيء الغير الخالص يقال لبن مغشوش اى غير خالص انتهى فهنا أمران أحدهما ضبط الكلمة و قد عرفت ورودها بالفتح مصدر أو بالكسر اسم مصدر و عن بعض الأساطين في شرحه على عد التصريح بكون الأنسب هنا هو الأول لأن الحرمة كغيرها من الأحكام التكليفية إنما تتعلق بأفعال المكلفين و فعل المكلف انما هو المعنى المصدري و يؤيده التعبير عن إخوانه بالمصدر كتدليس الماشطة و بما ذكر كله يظهر سقوط تعيين ضبطه بالكسر كما صدر عن الشهيد الثاني (رحمه الله) في الروضة و تبعه عليه في الرياض و ثانيهما معناها و قد عرفت انه خلاف النصح و إظهار خلاف ما أضمر لكن يعتبر في مفهوم الغش و حقيقته كون ما غش به امرا خفيا أو أمرا قصد به الإخفاء على من غش عليه فلو مزج المبيع مثلا بما لا يخفى أو أخبره بمزج ما يخفى فلا غش فيه و على هذا فتقييد بعضهم كالمحقق (رحمه الله) بقوله بما يخفى انما هو لمجرد التوضيح أو للإشارة إلى كون ذلك الأمر مما من شأنه ان يخفى و لو بعد بحث المشترى و صرّح في الجواهر بأنه لو كان المزج بما لا يخفى أو أخبره بمزج ما يخفى فلا غش فيه ثم قال و لعل من ذلك وضع القطن العتيق في القلانس باعتبار تعارفه و لذا قال الصادق (عليه السلام) لفاعله أحب ان تبين لهم و لم يوجبه انتهى و أشار بذلك إلى رواية الحسين بن المختار قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) انا نعمل القلانس فنجعل فيها القطن القطيع فنبيعها و لا نبين لهم ما فيها قال أحبّ لك ان تبين لهم ما فيها و ظاهر كلامه (رحمه الله) انه من قبيل الغش بما لا يخفى من جهة كون ذلك جاريا فيما بين الناس كثيرا و عندي ان صدق غير الخفي بمجرد التعارف مع عدم العلم بحال المبيع الشخصي إذا كان التفاوت بين الجديد و العتيق مما يعبأ به عندهم محلّ نظر بل منع و الاولى ان يقال ان استحباب البيان انما هو من جهة كون التفاوت بين القطن العتيق و غيره ممّا يسامح فيه الناس و ليس من شأنهم فيه الدقة فلا يعبئون بكونه عتيقا لو علموا به بان ينقصوا من ثمن القلنسوة شيئا لذلك و لكنه لما كان المحل ممّا قد يوضع فيه العتيق و قد يوضع فيه غيره أو كان مما تعارف فيه العتيق استحب (عليه السلام) البيان و يدلّ على ما ذكرناه صحيحة ابن مسلم (أيضا) عن أحدهما (عليه السلام) انه سئل عن الطعام يخلط بعضه ببعض و بعضه أجود من بعض قال إذا رؤيا جميعا فلا بأس ما لم يغط الجيد الردى
قوله بلا خلاف
و يدلّ عليه الإجماع بقسميه المحصل و المنقول و العقل من جهة كونه نوعا من الظلم
قوله و في عقاب الأعمال عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) من غش مسلما في بيع أو شراء فليس منا و يحشر مع اليهود يوم القيمة لأنه من غش الناس فليس بمسلم الى ان قال و من غشنا فليس منا قالها ثلثا و من غش أخاه المسلم نزع اللّه بركة رزقه و سد عليه معيشته و وكله الى نفسه
الظاهر ان الغرض من ذكر الحديث هو الاستدلال بالفقر الاولى و لكن ذكر ما بعد قوله الى ان قال يشعر بان المقصود هو الاستدلال بكل من فقراته حتّى المتأخرة منها و كيف كان فقد استدل في الرياض بمجرد قوله (عليه السلام) من غشنا فليس منا حيث قال (رحمه الله) في مقام الاستدلال ما نصه للصحاح المستفيضة و غيرها ففي الصّحيح ليس من المسلمين من غشهم و في أخر ليس منا من غشنا الى أخر ما ذكره (رحمه الله) و أنت خبير بأنه لا دلالة فيه الا على تقدير ان يراد بضمير المتكلم مع الغير المسلمون و هو في غاية البعد لان المعهود في الاخبار انما هو التعبير بضمير المتكلم مع الغير عن أهل البيت (عليه السلام) و (حينئذ) لا يدل على المطلوب و قد أجاد المحقق الأردبيلي (رحمه الله) حيث قال و الدليل عليه ما يعلم من المنتهى حيث قال الغش بما يخفى حرام بلا خلاف روى الشيخ (رحمه الله) في الصّحيح عن هشام بن سالم عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال ليس منا من غشنا و في الدلالة تأمل انتهى فان قلت لعله تمسك بالصّحيح المذكور باعتبار دلالته على بعض المدعى و هو الغش معهم (عليه السلام) و يتم الكلام في الغش مع غيرهم من المسلمين بعدم القول بالفصل قلت على تقدير كون المراد بضمير المتكلم مع الغير في قوله (عليه السلام) غشنا أهل البيت (عليه السلام) لا يصير المراد به غشهم في بيع شيء عليهم بل المراد به انما هو خيانتهم بتقديم غيرهم (عليه السلام) عليهم و دعوى مناصبهم و مراتبهم (عليه السلام) لغيرهم كما يشهد به ملاحظة الأخبار الواردة عنهم (عليه السلام) بهذا السّياق و اين ذاك من الدلالة على بعض المدعى ثم كيف يصحّ دعوى عدم القول بالفصل بين هذا الحكم و بين الغش في المبيع على المسلمين ثم ان ضمير المتكلم مع الغير في كلام النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و ان لم يكن مثله في كلام الأئمة (عليه السلام) في مرتبة الظهور في أهل البيت (عليه السلام) الا ان ذكره (عليه السلام) للفقرة الأولى مقيد بقوله في بيع أو شراء ممّا يصير قرينة على ان المراد هو هذا المعنى فيصير مقصوده (عليه السلام) بالفقرة الاولى هو الإشارة إلى الغش في البيع أو الشراء و بالفقرة الثانية الغش معهم (عليه السلام) بمعنى خيانتهم (عليه السلام) التي هي عبارة عن إبطال حقوقهم و بالفقرة الثالثة