غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٩٢ - المسألة الثانية عشرة مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه الغش
خيانة المسلمين (مطلقا) بمعنى إبطال حقوقهم على اى وجه كان و لا أقلّ من الاحتمال الموجب للإجمال المقتضي لسقوطه عن مرتبة الاستدلال و لهذا قلنا ان غرض (المصنف) (رحمه الله) هو الاستدلال بالفقرة الأولى
قوله و قوله (عليه السلام) فيه غش جملة ابتدائية و الضمير في لا يباع راجع الى الدّينار
لا داعي إلى ارتكاب جعل الجملة ابتدائية لصحّة كونها صفة لشيء باعتبار كونه نكرة يصحّ وصفها بالجملة و المعنى حتّى لا يوقع البيع بالشيء الّذي فيه غش فالباء من قبيل الباء التي تدخل على الثمن بعد لفظ البيع و يكون الشيء عبارة عن الدّينار و كناية عنه بل هذا انسب بنظم الكلام و سلاسته هذا كله على تقدير كون لفظ الشيء مجرورا بالباء كما في هذا الكتاب و هو المحكي عن بعض نسخ (التهذيب) و امّا على ما في نسخ معتبرة من الكافي و الوافي و الوسائل من قوله حتى لا يباع شيء بدون الباء الجارة للفظ شيء و هو المنقول عن بعض نسخ (التهذيب) فيتعيّن كون الجملة صفة و كون الشيء عبارة عن الدرهم
قوله و في رواية هشام بن الحكم قال كنت أبيع السابري في الظلال فمر بي أبو الحسن (عليه السلام) فقال يا هشام ان البيع في الظلال غش و الغش لا يحل
هذه الرّواية صحيحة من طريق الفقيه حسنة من طريق الكافي و التهذيب قال في مجمع البحرين ما لفظه السّابري تكرر ذكره في الحديث و هو ضرب من الثياب الرقاق تعمل بسابور موضع بفارس انتهى و الظلال بكسر الظاء جمع ظلة بضمها و هي شيء كالصفة يستتر به من الحر و البرد و منه ظلة بنى ساعدة و نحوها و أوّل سحابة تظل تسعى ظلة و المراد هنا المواضع المسقفة المظلمة ثم انه لا ينبغي ان يتوهم من هذا الحديث قدح في هشام و قد أقرّ علماء الرجال بوثاقته و جلالته و ذلك لانه قد يكون لم يخطر بباله كون مثل ذلك حراما حتى يسئل عنه فيكون جاهلا بهذا الحكم من جهة جهله باندارج مثل ذلك تحت الغش لكونه من أفراده الخفية مع كون الجهل عن القصور لا عن التقصير و لا بأس به من جهة ان الأحكام كانت تتدرّج شيئا فشيئا من لسان الامام (عليه السلام) أو لأنه كان غافلا عن الموضوع غير عامد الى التعرض للإخفاء فنبهه الامام (عليه السلام) فتدبر
قوله ثم ان ظاهر الاخبار هو كون الغش ممّا يخفى كمزج اللبن بالماء و خلط الجيد بالرّدي في مثل الدهن و منه وضع الحرير في مكان بارد ليكتسب ثقلا و نحو ذلك و اما المزج و الخلط بما لا يخفى فلا يحرم لعدم انصراف الغش اليه
لا بد في المقام من بيان أمور الأول ان ظاهر جماعة منهم المحقق في الشرائع حيث قال و الغش بما يخفى هو ان أصل موضوع الغش يتحقق بما يخفى و غيره فقيّد بقوله بما يخفى احترازا عن غير الخفي و قد صرّح بذلك في (المسالك) حيث قال في شرح العبارة المذكورة ما صورته احترز به عما لا يخفى كمزج الحنطة بالتراب و جيدها برديها و نحو ذلك فإنه لا يحرم و ان كره انتهى و مقتضى كلام (المصنف) (رحمه الله) (أيضا) ذلك لانه استظهر الاختصاص من الاخبار بحكم الانصراف و معلوم ان الانصراف لا يتحقق الا مع كون الموضوع له هو الأمر الكلي الصادق على مورد الانصراف و غيره و زعم بعض مشايخنا ان مفهوم الغش لا يتحقق بغير الخفي و استدل في ذلك الى عدم دخوله في عنوان الغش لغة و عرفا ثمّ قال و كذا الحال فيما لو علم بالحال و ان كان العيب خفيا إذا الموجود في كلمات أهل اللغة ان الغش خلاف المنصح و إظهار خلاف ما أضمر فقد اعتبر الخفاء في حقيقته و لهذا أطلق غير واحد حرمة الغش و لم يقيده بكونه بما يخفى الثاني ان الظاهر ان الضمير المجرور في قوله و منه وضع الحرير في مكان بارد ليكتسب نقلا يعود الى الغش بما يخفى و ان لم يكن ذلك من قبيل المزج و يمكن ان يتكلف يعوده الى مزج اللبن بالماء بمعنى ان وضع الحرير في المكان البارد للغرض المذكور من قبيل مزج اللبن بالماء بتقريب انه يمتزج باجزاء الحرير اجزاء الرطوبة الحادثة فيه من برودة المكان الثالث انه لم يصرّح (المصنف) (رحمه الله) بكراهة الغش بما لا يخفى كمزج الحنطة بالتراب و التبن و مزج جيدها برديها بحيث لم يغط الأول الثاني إذا لم يقصد تلبيس الأمر على المشترى و قد عرفت التصريح بها في عبارة (المسالك) وفاقا لجماعة ممن تقدم عليه و من تأخر عنه منهم صاحب الرياض (رحمه الله) و هذا هو الظاهر و احتج عليه في (الرياض) باحتمال شمول النصوص الدالة على تحريم الغش لهذا القسم (أيضا) و بإمكان غفلة المشترى و ربّما ينكر الكراهة استنادا الى ان احتمال شمول الدليل لا يصلح دليلا و يدفعه انه قد تقدر في محله ان قاعدة التسامح في أدلّة السّنن و الكراهة كما تجري في صورة ضعف السّند (كذلك) تجري في صورة ضعف الدلالة و لذلك قلنا ان مفهوم الوصف و ان لم يكن حجة الّا انه يعتبر في مقام الاستحباب و الكراهة و كذلك نظائره من الدلالات الضعيفة غاية ما هناك ان لا يصدق على ذلك بلوغ الثواب الا ان الحسن العقلي بالنسبة إلى الإتيان بما يحتمل انه مطلوب المولى و ترك ما يحتمل انه يكرهه مما لا مجال للارتياب فيه هذا و قال المحقق الأردبيلي (رحمه الله) في شرح الإرشاد ما لفظه و لعل الكراهة لأنه تدليس في الجملة و لانه قد يغفل عنه المشتري لكثرة الجيد و للاخبار مثل رواية محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليه السلام) انه سئل عن الطعام يخلطه بعضه ببعض (انتهى) ثم قال و في حسنة الحلبي عنه (عليه السلام) قال لا يصلح له ان يفعل ذلك يغش به المسلمين حتى يبيّنه في جواب سؤال من يريد خلط الجيد بالردي من الحنطة و كون ثمنه ثمن الجيد انتهى
قوله قال إذا رؤيا جميعا فلا بأس ما لم يغط الجيد الردى
الظاهر ان الجملة الأخيرة أعني قوله (عليه السلام) ما لم يغط الجيد الردى بدل من الجملة الشرطية و استغنى عن الجواب في الأخيرة بواسطة ذكره في الاولى و الوجه في ذلك ان الاولى باعتبار اشتمالها على المنطوق و المفهوم الذي هو انهما إذا لم يريا جميعا ففيه بأس تصير أعم من الأخيرة لأن عدم رؤيتهما جميعا قد يتحقق بتغطية الردى الجيد و قد يتحقق بعكس ذلك و الغش انما يتحقق بالأخير فأبدل الجملة الأخيرة من الاولى بدل اشتمال
قوله و مقتضى هذه الرواية بل رواية الحلبي الثانية و رواية سعد الإسكاف انه لا يشترط في حرمة الغش كونه ممّا لا يعرف الا من قبيل البائع فيجب الاعلام بالعيب الغير الخفي الا ان ينزل الحرمة في مورد الروايات الثلث على ما إذا تعمد الغش برجاء التلبس على المشترى و عدم التفطن له و ان كان من شأن ذلك العيب ان يتفطن له فلا تدل الروايات على وجوب الاعلام إذا كان العيب من شانه التفطن له فقصر المشترى و سامح في الملاحظة
لا يخفى ان تحقق الغش بما من شأنه ان يخفى مما لا ريب فيه و انّما الكلام فيما ليس من شانه الخفاء حتّى انّه لو اتفق هناك خفاء لم يكن إلا ناشئا من مسامحة المشتري أو اعتماده على البائع فنقول ان لم يقصد به التلبيس و لم يفعل برجائه لم يحرم و ان قصد به التلبيس ففعله رجاء ان يلبس على المشترى فهو حرام و الا فلا و رواية بلّ الطعام تفيد هذا المعنى فان المراد بالفقرة الأولى بقرينة مقابلة الفقرة الثانية هو ان لا يكون برجاء التلبيس و الغش و المراد بنفي الصّلاحية في الفقرة الثانية هي الحرمة و في كلام بعض المعاصرين انه ربما استفيد من صحيح محمد و خبر سعد و نحوهما انه لا يشترط كون الغش مما لا يعرف الا من قبل البائع فيجب الاعلام بالعيب الغير الخفي (أيضا) و الا كان غشا و لكنه ممنوع بل المنساق منها انما هو قصد الإخفاء و التلبيس فلا غش بدون ذلك و ان كان المبيع مغشوشا من باب الاتفاق و التلبيس انتهى
قوله ثم ان غش المسلم انما هو ببيع المغشوش عليه مع جهله فلا فرق بين كون الاغتشاش بفعله أو بغيره فلو حصل اتفاقا أو لغرض فيجب الاعلام بالعيب الخفي و يمكن ان يمنع صدق الاخبار المذكورة الا على ما إذا قصد التلبيس
(انتهى) اعلم ان من أواخر فقهائنا من اعتبر في تحقق الغش كونه من فعل الغاش فلو كان المزج مثلا بفعل