غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٤٩ - المسألة الثانية جوائز السلطان و عماله و صور المسألة
ما يقال غلف بها لحيته غلفا و غلّفها تغليفا انتهى و البدرة من المال بالفتح فالسّكون عشرة الاف درهم سميت بدرة لتمامها قاله في المجمع و إذ قد عرفت ذلك نقول انه استدل (المصنف) (رحمه الله) بهذه الرواية على الكراهة الشرعيّة و يمكن المناقشة فيه بعدم دلالتها عليها نظر الى ان امتناعه (عليه السلام) عن القبول لعلّه كان ناشئا من عزة نفسه من حيث ان الرشيد و غيره من الخلفاء كانوا يعطون بعنوان الانعام و البذل و التفوق لا من جهة كون الامام (عليه السلام) مستحقا لذلك فلا تدلّ الرواية على الحكم الشرعي و ليس المقام من قبيل ما يكون منصبه قرينة على ارادة الحكم الشرعي لأن كلامه (عليه السلام) انّما صدر في مورد خاص لبيان وجه فعله الخاص الذي لم يعلم كونه لبيان الشرعيّة بل (الظاهر) انه من أفعاله العادية
قوله فتأمل
(الظاهر) ان الأمر بالتأمل إشارة إلى توهين توجيه المستند في الحكم بارتفاع الكراهة من جهة ان الحكم مطلق شامل لما أفاد قول الجائر الاطمئنان بما أخبر به و ما إذا لم يفده و التوجيه مقيد بما إذا أفاد الاطمئنان فلا يتطابقان و ان ما ذكره دليلا على كون الحكم مختصا بصورة الاطمئنان في كلام المحقق الأردبيلي (رحمه الله) لا دلالة فيه على ذلك ان لم يكن دليلا على خلافه لانه قال في شرح الإرشاد (الظاهر) انه يجوز قبول ما لم يعلم كونه حراما على كراهية و ان علم كونه حلالا فلا كراهة و لا يبعد قبول قوله في ذلك خصوصا مع القرائن بأن يقول هذا من زراعتى أو تجارتي أو انه اقترضت من فلان و غير ذلك مما علم حليته من غير شبهة و قول وكيله المأمون حين يعطى و غير ذلك انتهى و ذلك لان التقييد بالمأمون في الوكيل و عدم التقييد به في الجائر نفسه يدلّ بحكم المقابلة على عدم اعتبار القيد في غير محله مضافا الى انه لو سلّم كون الحكم مقيّدا في كلام المحقق الأردبيلي (رحمه الله) توجّه ان يقال انه غير مقيّد في كلام غيره كالعلامة الطباطبائي (رحمه الله)
قوله و لعلّه لما ذكر في المنتهى في وجه الاستحباب إخراج الخمس من هذا المال
قال في المنتهى جوائز السّلطان ان علمت حراما وجب دفعها الى أربابها مع التمكن و مع عدمه يتصدق بها عنه الى ان قال و لو لم يعلم حراما جازتنا و لها و ان كان المجيز لها ظالما و ينبغي له ان يخرج الخمس من جوائز الظالم ليطهر بذلك ماله لان الخمس يطهر المختلط بالحرام فتطهير ما لم يعلم فيه الحرام به اولى انتهى
قوله قال في الشرائع جوائز السّلطان الظالم ان علمت حراما بعينها فهي حرام
وجه كون العبارة ظاهرة في حل المشتبه بالمحصور من الجائزة هو ان منطوقها هو ان الجوائز المعلوم حرمتها بعينها حرام و مفهومها انّه ان لم يعلم حرمتها بعينها فهي حلال و هذا على أقسام لانه امّا ان يكون يعلم ان السّلطان لا يتصرف في المال الحرام و ان ما يتصرف فيه و يباشره بالأكل و الشرب و اللبس و البذل انما هو المال الحلال فهو يعلم ان المال الذي يصلح ان تكون الجائزة منه ليس حراما و اما ان يعلم ان أغلب ما بيده حرام و هذا على القسمين لانه قد يكون على وجه لا يعلم ان فيه حلالا و قد يكون على وجه يعلم ذلك و ذلك لان العلم بحرمة أغلب ما بيده حرام و هذا على القسمين لانه قد يكون على وجه لا يعلم ان فيه حلالا و قد يكون على وجه يعلم ذلك و ذلك لان العلم بحرمة أغلب ما بيده إذا أخذ لا بشرط انقسم الى هذين القسمين و الأخير على قسمين لانه اما ان يكون أحد طرفي الشبهة مما لا يبتلى به المكلف كما لو علم إجمالا ان أحد الشيئين من الدرهم الذي يريد الجائر إعطائه إياه و من حلّي نسائه مثلا حرام و اما ان يكون الطرفان كلاهما من قبيل ما يبتلى به كما لو علم ان شيئا من الدراهم الموضوعة بين يدي السّلطان للانعام بها على الناس الذين هو أحدهم و قد خيّر في أخذ شيء منها حرام لكن لا يعلمه بعينه فيصير حال ذلك حال الإنائين المشتبه طاهرهما بالنجس منهما أو المشتبه مباحهما بمحرّمهما فتحصل من ذلك ان المفهوم شامل بحسب الظاهر لما يجب الاجتناب عنه من المشتبه بالمحصور
قوله أقصاها كونها من قبيل قولهم (عليه السلام) كل شيء فيه حلال و حرام فهو لك حلال
وجه كون ما ذكره من الخبرين أقصى هو كون الأول مشيرا إلى صورة العلم الإجمالي من جهة اشتماله على الغاية التي هي قوله حتى تعرف الحرام منه بعينه كما سيصرح بها و كون الثاني صريحا في كون الشيء مما فيه حلال و حرام و ليس إلا عبارة عن العلم إجمالا باشتمال الشيء على الحلال و الحرام
قوله و قد تقرر حكومة قاعدة الاحتياط على ذلك فلا بد (حينئذ) من حمل الاخبار على مورد لا يقتضي القاعدة لزوم الاجتناب عنه اه
وجه حكومة القاعدة على الخبرين هو انهما مقيدان بغاية هي معروفة الحرام بعينه التي هي عبارة عن العلم التفصيلي و ان القاعدة تعطي ان العلم الإجمالي الذي يصحّ الأمر معه تنجيز التكليف معتبر يجب العمل على طبقها و ليس ذلك إلا عبارة عن كون العلم الإجمالي بمنزلة العلم التفصيلي في صحة تنجيز التكليف معه لان المفروض هو العلم بالتكليف مع الشك في تعيين المكلف به و قدرة المكلف على الامتثال بالاحتياط فتصير القاعدة مبيّنة لكون المراد بالخبرين غير صورة سريانها فيجب حملها على غير موردها
قوله أو على ان ما يتصرف فيه الجائر بالإعطاء يجوز أخذه حملا لتصرفه على الصحيح
أورد عليه بعض من تأخر بأنه لا وجه للحمل على الصحيح في مفروضنا إذ من المعلوم انه مبنى على ان يكون الصحيح عبارة عن تصرف الجائر في الخراج و المقاسمة و الفاسد عبارة عن تصرفه في مال من أخذ منه المال قهرا من دون عنوان مقرر في الشرع و من المعلوم (أيضا) ان ما حكم به الشارع في خصوص الخراج و المقاسمة انما هو جواز أخذ الآخذ لهما من السّلطان كما سيجيء في المسئلة الاتية إنشاء اللّه (تعالى) لا جواز أخذ السّلطان الجائر لهما من الرعية و تصرفه فيهما فأخذهما و التصرف فيهما حرام في حق الجائر غاية ما في الباب انه يباح لغير السّلطان أخذهما منه بالابتياع و الاتهاب و غير ذلك و (حينئذ) يدور أمر تصرف الجائر بين حرامين أحدهما ما هو حرام في حقه مباح بالنسبة الى من يأخذ منه و هو تصرفه في الخراج و المقاسمة حيث ان الشارع امضى تصرفه فيهما بالنسبة إلى غيره و الا فتصرفه في نفسه حرام و الأخر ما هو محرم في حقه و في حق الأخر و هو تصرفه فيما أخذه من الغير قهرا بدون شيء من العنوانين المذكورين و مع دوران فعله بين الحرامين لا مجرى لقاعدة الصحة ضرورة انه لا صحيح بالنسبة إليه في المفروض و لا مجال لدعوى ان أحدهما أحسن من الأخر حتى يتوجه الأمر في قوله (عليه السلام) ضع أمر أخيك على أحسنه هذا و أنت خبير بسقوطه لأن المبنى الذي ذكره مما لم يصدق به (المصنف) (رحمه الله) و انّما اتى به المورد من عند نفسه و من البين ان تصرف الجائر على وجه صحيح يتصور في تصرفه في ماله المملوك له شرعا بإرث أو هبة أو إهداء أو غير ذلك فليس وجه الحمل على الصحيح منتفيا عما عدا تصرفه في الخراج و المقاسمة حتى يقال انه عند دوران الأمر بينه و بين تصرفه في غيرهما يدور الأمر بين حرامين فلا يجري قاعدة الحمل على الصّحيح
قوله فالحكم في هذه الصور بجواز أخذ بعض ذلك مع العلم بالحرام فيه و طرح قاعدة الاحتياط في الشبهة المحصورة في غاية الإشكال بل الضعف
قد يورد عليه بان إخراج المشتبه بالمحصور عن تحت الاخبار و كلمات الأصحاب (رضي الله عنه) مما لا وجه له لانّه الفرد الغالب لمال الجائر لأنه ليس له مكسب و لا مال و انّما يأخذ من الناس ظلما و قد يتفق له مال من إرث و غيره فيصير ما تحت يده من الأموال مرددا بين الحلال