غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٥٠ - المسألة الثانية جوائز السلطان و عماله و صور المسألة
و الحرام لا يدرى ان الحرام هو الذي قبضه المجاز من الدراهم أو ما لم يقبضه منها و يندفع بأنه سيجيء ان ما يأخذه الجائر باسم الخراج و المقاسمة يجوز ابتياعه و قبول هبته و لا يجب رده الى أربابه و من المعلوم انّ الغالب كون ما في يده من المال انّما هو ما يأخذه باسم الخراج و المقاسمة و انّ استيلائه على شيء من أموال الناس غصبا و قهرا على وجه يخرج عن العنوانين المذكورين و ان كان قد يتفّق الا انه قليل في كثير بل من قبيل ما يتعلق به الشك الابتدائي و وجود مشتبه محصور مردد بين المأخوذ قهرا و المأخوذ على وجه الخراج أو المقاسمة نادر جدا فيصحّ خروجه عن مدلول الاخبار و عنوانات الأصحاب و ربما دلّ على ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) ما رواه الفضل بن الربيع عن ابى الحسن الموسى بن جعفر (عليه السلام) في حديث انّ الرشيد بعث اليه بخلع و حملان و مال فقال لا حاجة لي بالخلع و الحملان و المال إذا كان فيه حقوق الأمة فقلت ناشدتك باللّه ان لا ترده فيغتاظ قال اعمل به ما أحببت فإنه دل على ان وجه رده (عليه السلام) لها هو اشتمالها على حقوق الأمة لكن يوهن دلالته ما وقع في ذيله من ترخيصه (عليه السلام) التصرف للراوي بقوله (عليه السلام) اعمل به ما أحببت لأنه كان اللازم بناء على التحريم هو الأمر بالتصدق به على الفقراء فيتعيّن (حينئذ) بحكم ذيله حمله على الكراهة و من ذلك يظهر وهن ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) من احتمال حمل الاعتذار في الرواية المتقدّمة في الكتاب بقوله (عليه السلام) لولا انى ارى تزويج غرابى بني أبي طالب (انتهى) على انّه لولا صرفها فيما يصرف فيه المظالم المردودة لما قبلها و انه يجب أو ينبغي ان يأخذها ثم يصرفها في مصارف الحرام المجهول المالك اللهم الّا ان يقال ان ما وقع في ذيل الرواية الّتي ذكرناها من انه (عليه السلام) قال للراوي اعمل به ما أحببت حيث رخّصه في التّصرّف فيه بما شاء و أراد من قبيل حكايات الأفعال الّتي لا يعلم وجهها فيحتمل ان الراوي كان مستحقا للمظالم المردودة فإنه لقيام الاحتمال (حينئذ) يسقط الاستدلال على خصوص كل من الحرمة و الكراهة لكن لا يوجب الوهن في احتمال الرواية الرواية الأخرى للحمل الذي أفاده (رحمه الله) لأن إيراث الدليل الوهن و نفى الاحتمال عن الدليل الأخر موقوف على تعيين دلالة الأوّل
قوله نعم قد يخدش في حمل تصرف الظالم على الصّحيح من حيث انّه مقدم على التصرّف فيما في يده من المال على المشتمل الحرام على وجه عدم المبالاة بالتصرف في الحرام فهو كمن أقدم على ما في يده من المال المشتبه المختلط عنده بالحرام و لم يقل أحد بحمل تصرفه (حينئذ) على الصّحيح لكن الظاهر ان هذه الخدشة غير مسموعة عند الأصحاب (انتهى)
لبعض المعاصرين في المقام كلام مشتمل على التعريض بما ذكره (المصنف) (رحمه الله) قال بل ربما قيل بان من أقدم على ذلك يعنى المشتبه المحصور لم يقل أحد بحمل تصرفه على الصّحيح لفساد تصرفه في ظاهر الشرع فلا يحمل على الصّحيح الواقعي و لا يخفى أن الجائر قادم على ذلك غالبا بل و على معلوم الحرمة لعدم مبالاته بذلك أو لزعمه ان ذلك سائغ له شرعا إذ لا فرق عنده بين بيعه و هبته و أكلمه و نحو ذلك و المنكر لذلك كالمكابر و دعوى ان الأصحاب لا يعتبرون في الحمل على الصحة احتمال تورّع المتصرف عن التصرف الحرام لكونه حراما بل يكتفون باحتمال صدور الصّحيح منه و لو لدواع أخر يدفعها ان ذلك ان تم لزم منه الحمل على الصحيح مع الاقدام على ذلك ايضا لاحتمال كون العقود عليه في الواقع هو الحلال و مجرد اقدامه غير دافع للاحتمال و لذا لو انكشف له بعد ذلك لم يلزمه تجديد العقد قطعا و الفرق بين الفعلين باحتمال قصد الصحيح في الأول و لو لداع غير التحريم فيحمل على الصحّة بخلاف الثاني لعدم قصده و لا عبرة بمجرد احتمال مطابقته للواقع في نفسه غير مجد بعد معلوميّة عدم اعتناء الجائر بالقصد المزبور و انه لا فرق عنده فيما في يده من الأموال بين معلوم الحل و الحرمة و المشتبه بينهما في الأقدم على اجراء جميع أحكام الملك عليها بل لعل الغالب فيه هو الثالث و إخراجه عن ذلك مدفوع بظاهر النصّ و الفتوى بل هو كالاجتهاد في مقابلة النص و لعلّ لذا فرق البعض المتقدم يعنى شارح القواعد بين الجائر و غيره بإطلاق الجواز في الجائر و تقييده بغير القادم في غيره لعدم اندراجه في دليله فيرجع فيه الى الأصول و احتمال إرجاع القيد إليه (أيضا) كما استظهره بعضهم بعيد جدا ان لم يقطع بعدمه و ان كان في بعض عباراته ما قد يشهد له الا ان ارتكاب خلاف الظاهر فيه بقرينة الفرق المزبور كأنه أولى و أظهر فالإنصاف ان إثبات الخصوصية لجوائز الجائر مما لا مساغ لإنكاره و اما في غير جوائزه من مقاصة له أو غيرها مطلقا فالمرجع فيه الى الأصول و ان كان الأقوى جواز الاقدام عليه (مطلقا) لعدم ثبوت وجوب اجتناب مطلق الشبهة المحصورة أو لما ورد في السرقة و الخيانة و نحوهما مما يشمل بإطلاقه القادم على المشتبه على نحو الجائر مع عدم الفرق بينها و بين باقي المظالم أو لما ذكروا؟؟؟ في الجائر مع عدم الفرق بينه و بين غيره الا انه قد يفرق بينهما بقيام الإجماع عليه دون غير أو بكثرة النصوص فيه دون غيره أو نحو ذلك أو بما في التجنب عنه من العسر و الحرج إذا الدراهم و نحوها مما يتوقف عليها النظام كلها مأخوذة من يده مع غلبة الاختلاط و الاشتباه فيها على وجه يوجب الاجتناب في غيره انتهى و لعل (المصنف) (رحمه الله) أشار الى بعض ما ذكره بالأمر بالتأمل في ذيل الكلام
قوله و لا ريب ان الحلي يستند في تجويز أخذ المال المردّد الى النص بل الى ما زعمه من القاعدة و لا يخفى عدم تماميتها الا ان يريد به لشبهة الغير محصورة بقرينة الاستهلاك فتأمل
وجه الأمر بالتأمل بطلان المستثنى في ذيل الكلام لان سياق كلامه (ظاهر) في المحصور و الاستهلاك لا يستلزم عدم انحصار الشبهة و تعليله بأنه غير قادر على ردها بعينها صريح في الشمول القسمي الشبهة من المحصورة و غيرها و الحاصل ان ملاحظة مجموع كلامه تقتضي بعدم احتماله للاختصاص بغير المحصورة هذا و تلخيص المقال في المسئلة على وجه يستوفى مجامع الكلام هو انه يدلّ على حل جوائز الجائر في الجملة بمعنى الإطلاق الشامل للأقسام على وجه الإهمال الأصل و الإجماع و السيرة المستمرة إلى زمان أهل العصمة (عليه السلام) بل قبولها من الجائرين منقول عنهم (عليه السلام) و أفعالهم (عليه السلام) حجة كأقوالهم (عليه السلام) و لكن في الاستدلال بالأخير نظر من جهة أنّهم (عليه السلام) كانوا مستحقين و مالكين لما يحبيه الجائر في أعصارهم (عليه السلام) فهم (عليه السلام) قد قبضوا شيئا من حقوقهم و أموالهم و قد يستدل على حلها (أيضا) بالأخبار المذكورة في كلام (المصنف) (رحمه الله) و قد عرفت الحال فيها مما أفاده (رحمه الله) و قد يتمسّك في حلها بالأخبار الناطقة بجواز الشراء من عامل السّلطان من إبل الصدقة و متاع السّلطان و ذكرها في المسئلة الاتية اولى بل متعين ثم انه قد اختلف كلمات الأصحاب في تعيين موضوع القضية المهملة المذكورة فظاهر المحقق (رحمه الله) عدم تحريم الجائزة مع عدم العلم بحرمتها بعينها (مطلقا) و لو مع العلم بكونها من افراد الشبهة بل؟؟؟ ادعى كونه ظاهر الأكثر حيث انهم عبّروا بمثل عبارة المحقق (رحمه الله) بل قيل انه معقد بعض الإجماعات المحكية و نفى الخلاف في كلام بعضهم و نفى الاشكال في كلام بعض أخر بل عن جماعة كثيرة منهم ابن إدريس (رحمه الله) النص على حل ما اشتبه بالمحصور و قد حكاه (المصنف) (رحمه الله) كما حكى عبارة