غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣٢ - المسألة الثالثة جواز المعاوضة على العصير العنبي إذا غلى
في جميع اقسامه من حرمة التناول و التكسب به و نجاسته و جواز اتخاذه للتخليل و غير ذلك لانه من افراد الخمر الثالثة ان يطرئه الغليان بالنار و لكن قيل ذهاب ثلثيه و اما بعددها بهما فهو دبس و لهذا لم يجعل الحالات أربعا و قد وقع الخلاف في جواز المعاوضة عليه بين المتعرضين لذكر المسئلة و ان كانت غير مذكورة في كلمات الأقدمين و انّما تعرض لذكرها جماعة من الأواخر و (المصنف) (رحمه الله) قوى الحكم بالجواز
قوله بناء على انه مال قابل للانتفاع به بعد طهارته بالنقص
و جواز الاكتساب يدور مدار المالية و نحرز كونه مالا اما بالقطع به و اما بدعوى أن المالية ليست شيئا زائدا على السّلطنة العرفية و استيلاء اليد و ان اليد دليل الملك حتّى في الشبهة الحكمية كما حكى عن المحقق الثاني (رحمه الله) فمع الشك في المالية تعتمد على دلالة اليد على الملك و اما بالاستصحاب لانه كان قبل الغليان مالا قطعا و قد وقع الشك في خروجه عن المالية بالنجاسة الحاصلة من الغليان فتستصحب فالحاصل انه يتحقق ماليته بشيء من الوجوه الثلاثة غاية الأمر انّه مال معيوب قابل لزوال عيبه
قوله و وجب عليه غرامة الثلثين و اجرة العمل فيه حتى يذهب الثلثان كما صرّح به في التذكرة
(انتهى) اما انه يجب غرامة الثلثين فلانه أتلفهما على المالك بالنقص الحاصل بالغليان المستند الى فعل الغاصب مباشرة في أوّل الأمر و تسبيبا في أخره لأنه أغلاه فصار سبب لتطهيره بالغليان حتى يذهب تمام الثلثين و من المعلوم ان الأغراض تختلف من العقلاء في أموالهم فقد يكون مراد صاحب العصير تخليله على تلك الحالة الأصلية فيكون صيرورته دبسا منافيا لغرضه و اما انه يجب عليه اجرة العمل حتى يصير دبسا بذهاب الثلثين فلما ذكره في التذكرة حيث قال في كتاب الغصب لو غصب عصيرا فأغلاه حرم عندنا و صار نجسا لا يحل و لا يطهر إلا إذا ذهب ثلثاه بالغليان فلو رده الغاصب قبل ذهاب ثلثيه وجب عليه غرامة الثلثين و الوجه انه يضمن (أيضا) غرامة الخسارة على العمل فيه الى ان يذهب كمال الثلثين لانه ردّه معيبا و يحتاج زوال العيب إلى خسارة و العيب من فعله فكانت الخسارة عليه انتهى ثم ان ما ذكرناه من غرامة الناقص كالثلثين فيما نحن فيه ليس من قبيل الأحكام المتلقاة بالقبول عندهم لوقوع الخلاف فيه قال في التذكرة بعد ما حكم بضمان ما نقص من الزيت لو غصبه فأغلاه ما نصه لو غصب عصيرا فأغلاه فنقصت عينه دون قيمته مثل ان كان صاعين قيمتهما أربعة دراهم فلما أغلاه عاد الى صاع قيمته أربعة دراهم قال الشيخ (رحمه الله) لا يضمن الغاصب الناقص من العين هنا لانه مجرّد مائية رطوبة لا قيمة لها و للشافعية وجهان أحدهما انه يضمن ما نقص من العين كالزيت لانه مضمون بالمثل و الثاني انه لا يغرم شيئا لأنه إذا أغلاه نقصت المائية التي فيه و صار ربا و لهذا يثخن و يزيد حلاوته فالذي نقص منه لا قيمة له بخلاف الزيت فإنه لا مائية فيه فالذاهب زيت له قيمة بخلاف العصير فان حلاوته باقية و الذاهب منه ليس إلا المائية و الرطوبة التي لا قيمة لها و الوجه عندي انه لا فرق في الضمان بين الزيت و العصير لان الذاهب في الزيت (أيضا) الرطوبة المائية خاصة إلا أن مائية أقل قال له بعض الشافعية و الخلاف المذكور فيما إذا غلا العصير يجرى فيما إذا صار خلا و انتقض عينه دون قيمته و كذا إذا صار الرطب تمرا و العنب زبيبا انتهى
قوله عدا ما في مفتاح الكرامة من ان الظاهر المنع للعمومات المتقدمة و خصوص بعض الاخبار مثل قوله (عليه السلام) و ان غلا فلا يحل بيعه و رواية أبي كهمش
(انتهى) لم ينقل (المصنف) (رحمه الله) عبارة مفتاح الكرامة على وجهها و العبارة التي ذكره (المصنف) (رحمه الله) غير خالية عن الخلل و نحن نأتي بعبارته بعينها قال (رحمه الله) و اما إذا غلا عصير العنب بالنار و لم يذهب ثلثاه فلا ريب في نجاسته كما بيّناه في غير موضع بل ادعى عليها الإجماع و (الظاهر) (أيضا) عدم جواز بيعه لأنه (حينئذ) خمر كما صرّح به جماعة أو كالخمر إذا أعد للتخليل كما نص عليه المحقق الثاني (رحمه الله) و هو (الظاهر) من عبارة النهاية عند قوله و يكره الاسلاف فيه و يظهر منها و من اطعمة السرائر و غيرها في مواضع تظهر على الفقيه و هو الذي تقضى به قواعد الباب و يدلّ عليه إطلاق قول الصادق (عليه السلام) في خبر ابى كهمس فيما رواه ثقة الإسلام و ان غلا فلا يحل بيعه و مفهوم قوله (عليه السلام) (أيضا) فيما رواه الكليني (أيضا) عن ابى بصير حيث سئله عن ثمن العصير إذا بعته قبل ان يكون خمرا و هو حلال فلا بأس إذ مفهومه ثبوت البأس إذا لم يكن حلالا و هو حال الغليان و قوله (عليه السلام) (أيضا) في مرسل ابن الهيثم إذا تغير عن حاله و غلا فلا ضير فيه حتى يذهب ثلثاه و من الخبر المنفي بيعه فتأمل هذا ما في مفتاح الكرامة و ابى كهمس بالسين المهملة بخطه (رحمه الله) قال في باب الكنى من منتهى المقال أبو كهمس له كتاب رويناه عن جماعة عن ابى المفضل عن حميد عن القسم بن إسماعيل عنه ست اسمه الهيثم بن عبيد أو عبيد اللّه ثم ذكر ما يدلّ على تشيعه ثم قال و في كثير من المواضع كهمش بالمعجمة قيل لم توجد هذه اللغة و الموجود انما هو بالمهملة و معناه القصير على ما في (صلى الله عليه و آله و سلم) انتهى ما أوردنا ذكره و في باب الهاء من أبواب الأسماء من الكتاب المذكور الهيثم بن عبد اللّه أبو كهمس كوفي عربي له كتاب ذكره سعد بن عبد اللّه في الطبقات (النجاشي) و في (البرقي) ابن عبيد الشيباني أبو كهمس الكوفي أسند عنه انتهى فإنه قد كان يصغر اسمه و يرخم و في (التعليقة) في (الكافي) عن الحجاج الخشاب عن أبي كهمس الهيثم بن أبي عبيد و فيه؟؟؟ (أيضا) عن ابن بكير عنه و اسمه هيثم بن عبيد و (الظاهر) الاتحاد على ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) هذا ما في منتهى المقال و اما ابن الهيثم فهو بالهاء ثم الياء المنقطة بنقطتين من تحت ثم الثاء المثلثة بخط صاحب مفتاح الكرامة (رحمه الله) و اسمه محمّد ذكره العلامة (رحمه الله) في القسم الأوّل من كتاب الخلاصة قال (رحمه الله) محمد بن الهيثم بن عروة التميمي كوفي ثقة روى أبوه عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) انتهى و المرسل الذي أشار إليه مذكور في باب تحريم العصير العنبي و التمري و غيرهما إذا غلا و لم يذهب ثلثاه من كتاب الأطعمة و الأشربة من الوسائل عن محمّد بن يحيى عن احمد بن ابى نجران عن محمّد بن الهيثم عن رجل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سئلته عن العصير يطبخ بالنار حتى يغلى من ساعته ا يشربه صاحبه فقال إذا تغير عن حاله و غلا فلا خير فيه حتى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه
قوله و في الجميع نظر اما في العمومات فلما تقدم و اما الأدلة الخاصة فهي مسوقة للنهى عن بيعه بعد الغليان نظير بيع الدبس و الخل من غير اعتبار اعلام للمكلف و في الحقيقة هذا النّهي كناية عن عدم جواز الانتفاع ما لم يذهب ثلثاه فلا يشمل بيعه بقصد التطهير مع إعلام المشتري نظير بيع ماء النجس
المراد بالعمومات في كلام (المصنف) (رحمه الله) كقواعد الباب في عبارة مفتاح الكرامة (رحمه الله) هو حديث تحف العقول و حديث فقه الرّضا و حديث دعائم الإسلام و ما أرى مؤديها و أشار (رحمه الله) بقوله ما تقدم الى ما ذكره في ان (الظاهر) منها العنوانات النجسة و المحرمة بقول (مطلقا) لا ما يعرضانه في حال دون حال لكن لا يخفى عليك ان ما أورده على التمسّك بالعمومات في محلّه و اما ما ذكره من الحمل في مقام الإيراد على الأدلة فهو في غاية البعد كما لا يخفى على من له خبرة بأساليب الكلام و ان كان تمسك صاحب مفتاح الكرامة (رحمه الله) (أيضا) بها ساقطا اما بالنسبة إلى رواية أبي كهمس فيتضح بذكر منتها فإنه قال سئل رجل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن العصير فقال لي كرم و انا أعصره كل سنة و اجعله في الدنان و أبيعه قبل ان يغلي قال لا بأس و ان غلا فلا يحل بيعه ثم قال هو ذا نحن نبيع تمرنا ممن نعلم انه يصنعه خمرا فان ظاهر يغلى في السؤال أنه يغلى بنفسه فيصير خمرا كما هو مقتضى اسناد الغليان و عدم التقييد بالنار خصوصا مع سبق قوله و اجعله في الدنان فان الجعل فيها مظنة الغليان بنفسه لا مظنة الغليان بالنار و كذا ظاهر قوله (عليه السلام) في الجواب و ان غلا هو الغليان بنفسه و صيرورته خمرا فلا دخل له بقضية الغليان بالنار و اما بالنسبة إلى رواية أبي بصير فيتضح بذكر منتها (أيضا) و ذلك انه قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ثمن العصير قبل ان يغلي لمن يبتاعه ليطبخه أو يجعله خمرا قال إذا تعبه قبل ان يكون خمرا و هو حلال فلا بأس فإن الحكم بحرمة البيع و عدم حرمته مفهوما و منطوقا قد أنيط بصيرورته خمرا و عدم صيرورته و قوله و هو حلال بيان لعدم صيرورته خمرا لا إشارة الى ما قبل