غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٨٣ - المسألة الثامنة مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه الرشوة
التي منها مباشرة القضاء التي هي من الأعمال المعتبرة لا تسمى رشوة بخلاف كتمان الحق بعد العلم به و إظهاره و كذا لو أخذ شيئا من أحد ليظلم أحدا أو يكف ظلمه عنه و كذا قضاء حوائج الإخوان عند الأمراء و أمثال ذلك و الى هذا أشار في الجواهر في ذيل كلام له حيث قال بخلاف الرشوة التي كانت الأنفس السّليمة مجبولة على التنزه عنها لأنها غير الهدّية و الإجارة و الجعالة بل هو قسم أخر ينقح العرف افراده و ما كان منها محلّ شك فالأصل يقتضي حلّيته كما أنه يقتضي حلّيته ما فرض من إفرادها أو يفرض كونه محلّ شك في اندراجه في دليل الحرمة انتهى
قوله و عن النهاية انّها الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة و الراشي الذي يعطى ما يعينه على الباطل
لم يذكر عبارة النهاية على وجهها لانه قال فيها الرشوة الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة و أصله من الرشا الذي يتوصل به الى الماء فالراشى الذي يعطى ما يعينه (انتهى) ثم ان صدر هذه العبارة مساوية لعبارة المصباح ان جعلنا الوصلة بمعنى ما يتوصل به كما هو ظاهر ما يستفاد من (المصنف) (رحمه الله) انه فهمه منها حيث قال بل يعم ما يبذل الحصول غرضه و هو الحكم له حقا كان أو باطلا و هو ظاهر ما تقدم عن المصباح و النهاية هذا و لكن الظاهر من قوله و الراشي الذي يعطى ما يعينه على الباطل هو اختصاصها بالباطل لبعد تخالف المشتق و المشتق منه في العموم و الخصوص و يدلّ على الاختصاص صريحا قوله في النهاية بعد العبارة التي حكاه (المصنف) (رحمه الله) عنها بلا فصل فاما ما يعطى توصلا إلى أخذ حق أو دفع ظلم فغير داخل فيه فلا تدل عبارة النهاية على ما رامه هو (رحمه الله) من التعميم لكنه (رحمه الله) معذور من جهة انه لم يحضره كتاب النهاية كما يدل عليه تصدير النقل بكلمة عن دون كلمة في ثم انّ لفظة ما في قوله يعطى ما يعينه اما عبارة عن الأخذ فيكون قد استعمل كلمة ما بمعنى من و اما عبارة عن المال المعطى و يكون معنى يعينه (حينئذ) انه يصير سببا لإعانته
قوله و منه يظهر حرمة أخذ الحاكم للجعل من المتحاكمين مع تعيّن الحكومة عليه
هذا شروع في البحث عن حرمة أخذ الجعل و عدمها بعد الفرع عن حال حكم الرّشوة الذي لم يخالف أحد في انه هو التحريم و ان وقع الخلاف بين ظواهر عباراتهم في تعيين موضوعها و ينبغي توضيح المقام فنقول انهم يستعملون في المال الذي يأخذه القاضي قبل القضاء أو بعده ألفاظا يرتبون على مفاهيمها شيئا من الحل و الحرمة و هي خمسة الرشوة و الأجرة و الجعل و الرزق من بيت المال و الهدية أمّا الرشوة فقد عرفت ان الذي يستفاد من كلمات من تعرض لتفسيرها أمور ثلاثة أحدها الجعل الذي يقرره المتحاكمان للقاضي في مقابل عمله الذي هو إنشاء الحكم أو مقدمته التي هي النظر في أمرهما ليحكم بعد ذلك بالحق و على هذا يكون مساويا للجعل المراد بلفظة في هذه المسئلة ثانيها ما يبذل للحاكم لإبطاله حقا أو تمشيته باطلا و ان كان الباذل غير المتحاكمين فلو اعطى غيرهما الحاكم شيئا ليحكم لأحدهما لقرابته أو صداقته أو لغير ذلك من الدواعي الدنيوية كان داخلا في موضوع الرشوة قطعا كما وقع في كلام بعض الفقهاء و ظاهر عبارة المصباح مبنى على الأغلب كما انه لا فرق بعد أخذها بين حكم الحاكم للمعطى أو لخصمه موضوعا و حكما كما لا فرق من الجهتين بين ما لو كان الحكم بحق أو باطل هذا و اما تفسيرها في (المسالك) بأخذ الحاكم ما لا لأجل الحكم فهو غير خال عن الخلل لما عرفت من تفسيره بما يعطيه الشخص فهو الشيء بوصف كونه يعطيه لا نفس الأخذ و يشهد بذلك ان الفعل منه يسند الى المعطى و لا يسند الى الحاكم الا ما كان للمطاوعة و هو الارتشاء ثم ان التقييد بالحاكم انما هو لمراعاة الغرض في هذه المسئلة و الا فمفهوم الرشوة كما في عبارة المصباح و النهاية أعم منه و من غيره ثالثها ما يبذل لحصول غرض الباذل و هو الحكم على وفق مراده سواء كان الحكم حقا أم باطلا و امّا الأجرة فقد قال في مفتاح الكرامة في مقام الفرق بينها و بين الجعل ما لفظه و المراد من الأجرة ما يؤخذ من المتخاصمين أو غيرهما كاهل البلد أو المحلة و الجعل هو الأجرة لكنها من المتخاصمين أو أحدهما لا تعدوهما فيكون تابعا للشرط قبل الشروع في سماع الدعوى فان شرطه عليهما أو على المحكوم عليه فالفرق بينه و بين الرشوة ظاهر و ان شرطه على المحكوم له فالفرق ان الحكم لا يتعلق فيه بأحدهما بخصوصه بل من اتفق له الحكم منهما على الوجه المعتبر فيكون الجعل عليه و هذا لا تهمة فيه و لا ظهور غرض بخلاف الرشوة لأنها من شخص معين ليكون الحكم له ان كان محقا أو مبطلا و قد أخذ فيه أيضا كالأجرة أنه بحيث لو لم يكن لم يفعل انتهى و تبعه بعض من تأخر و عندي ان هذا لا وجه له إذ لا يساعد عليه وضع و لا استعمال و لعل منشأ توهم صاحب مفتاح الكرامة (رحمه الله) هو ما وجده في عبارة (المسالك) في قوله و لا فرق في ذلك يعنى الحكم بالحرمة بين أخذ الأجرة من السّلطان أو من أهل البلد أو المتحاكمين ثم قال بل الأخير هو الرشوة الّتي ورد في الخبر انها كفر باللّه العظيم و برسوله انتهى و ان كان فيما ذكره أخيرا نظر و لكنه لا يدل على عدم تصور الجعل من غير المتحاكمين حتى يتحقق الفرق الذي ذكر و الذي أراه بعد ما هو معلوم من الفرق بين الإجارة و الجعالة كما ينبئ عنه افراد كل بمبحث خاص و أحكام خاصة هو ان من جملة ما يوجب الفرق اشتراط تعين العامل في الإجارة دون الجعالة و معلوم انه يمكن ان يقول أحد المتداعيين أو كلاهما لحاكم خاص ان نظرت في أمرنا أو حكمت في هذه القضية فلك مائة درهم مثلا و ان يقول مخاطبا بالخطاب العام من نظر في أمرنا أو حكم في القضية من الحكام فله كذا فكل من الأجرة و الجعل متصور من المتداعيين و مثلهما غيرهما من أهل البلد أو السّلطان بل نقول انه كما يتصور الأمران من أهل البلد أو السّلطان أو أحد المتداعيين بل من أجنبي على القضاء الخاص كذلك يتصور ذلك بالنسبة إلى مباشرة القضاء على وجه العموم كما قد يتفق ذلك من السّلطان ثم على تقدير كون الحاكم المخاطب خاصا فالجزم بالعمل و تعيين زمانه ممّا يعتبر في الإجارة دون الجعالة فيقول في الإجارة أعطيك مائة على ان تفصل هذا القضاء في هذا اليوم مثلا و في الجعالة ان فصلت هذا القضاء فلك مائة مثلا و إذ قد عرفت ذلك نقول
ان كل من عبّر في هذه المسئلة و نظائرها بالجعل أراد به ما هو أعم من الجعل بمعناه الأصلي و الأجرة و كل من عبر بالأجرة أراد بها ما هو أعم من الأجرة بمعناها الأصلي و الجعل و يشهد بهذا ان المحقق (رحمه الله) قال في (الشرائع) في هذا البحث أخذ الأجرة على الأذان حرام و لا بأس بالرزق من بيت المال و كذا الصلاة بالناس على تفصيل و قال في كتاب القضاء اما لو أخذ الجعل من المتحاكمين ففيه خلاف و الوجه التفصيل فمع عدم التعين و حصول الضرورة قيل يجوز و الاولى المنع و لو اختل أحد الشرطين لم يجز انتهى و انه استدل المانع من أخذ الأجرة بإجماع (المبسوط) مع ان معتقده الجعل و انه قال المحقق الثاني (رحمه الله) في شرح قول العلامة (رحمه الله) في القواعد و تحرم الأجرة على الأذان و على القضاء ما لفظه لا فرق بين أخذ الأجرة من المتحاكمين أو من السّلطان أو أهل البلد عادلا كان أو جائرا سواء كان المأخوذ بالإجارة أو الجعالة أو الصّلح انتهى