غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٧ - فرع حكم بيع الأرواث الطاهرة
و الحمير و الدّواب و أرواثها نجس يجب إزالة قليله و كثيره انتهى كما ان عنوان ما لا يؤكل لحمه ليس مستلزما لنجاسة روثه عند جميع الأصحاب كما في الخفاش فإنه ممّا يحرم لحمه مع ان منهم من قال بطهارة فضلته و هي مشتملة على النفع في الجملة كالتسميد و (حينئذ) يتوجه في المقام سؤال و هو ان من قال بحرمة أرواث ما لا يؤكل لحمه ان كان ممّن يقول بطهارة فضلة الخفاش هل تدخل هي بوصف الطهارة في عنوان أرواث ما لا يوكل لحمه التي حكم بحرمة بيعها و ان من قال بجواز بيع أرواث ما يؤكل لحمه ان كان ممن يحكم بنجاسة ذرق الدّجاج أو بنجاسة أبوال البغال و الحمير هل يحكم بجواز بيع ذرق الدّجاج بوصف النجاسة مع اشتماله على نفع كالتسميد و التّدبيغ مثلا أم لا ثمّ استظهر أن أرواث ما لا يؤكل لحمه يخرج روث ما يؤكل لحمه و ان كان نجسا و ان أرواث ما يؤكل لحمه يخرج روث ما لا يؤكل و ان كان طاهرا كفضلة الخفاش على القول بطهارتها فسيء منهما لا يدخل في كلمات العلماء و لا تحت الأدلة فيجوز عند من ذكر العنوانين في كلامه بيع ذرق الدجاج و ان كان نجسا و لا يجوز بيع فضلة الخفاش و ان كانت طاهرة عنده فلا يجوز ان ينسب الى الشيخ (رحمه الله) حيث أفتى بنجاسة ذرق الدجاج و ذكر في فصل ما يصح بيعه و ما لا يصح ما لفظه و امّا سرجين ما لا يؤكل لحمه و عذرة الإنسان و خرء الكلاب و الدم فإنه لا يجوز بيعه انتهى انه يقول بعدم جواز بيع ذرق الدّجاج لعدم شمول العنوان الذي ذكره و هو سرجين ما لا يؤكل لحمه لان المفروض ان لحمها محلّل و عندي ان هذا ليس ممّا يستشكل فيه لان خصوص ما يؤكل لحمه و ما لا يؤكل ليس عنوانا في هذا الباب و لا يدور الحكم مدار شيء منهما و انّما العنوان هي الأعيان النجسة الا ترى ان المحقق (رحمه الله) مثلا قال فالمحرم أنواع الأوّل الأعيان النجسة كالخمر و الأنبذة و الفقاع (انتهى) فالعنوان ما عرفت و الخمر و ما بعدها من قبيل المثال و المثال لا يخصّص العنوان و (كذلك) الشيخ (رحمه الله) في (المبسوط) قال قيل العبارة التي تقدم ذكرها فامّا نجس العين فلا يجوز بيعه كجلود الميتة قبل الدباغ و بعده و الخمر و الدم و البول و العذرة و السرقين ممّا لا يؤكل لحمه و لبن ما لا يؤكل من البهائم و امّا النجس بالمجاورة فلا يخلو من أحد أمرين امّا ان يكون جامدا أو مائعا الى أخر ما قال فما ذكره ليس الّا من باب المثال و قد عرفت انه لا يتأتى منه تخصيص العنوان و أوضح ممّا ذكرناه في الدلالة على ان المناط انّما هي النجاسة و الطهارة عبارة الخلاف حيث قال (رحمه الله) فيه سرجين ما يؤكل لحمه يجوز بيعه و قال أبو حنيفة يجوز بيع السراجين و قال الشافعي لا يجوز بيعها و لم يفصلا دليلنا على جواز ذلك انه طاهر عندنا و من منع منه فإنما منع النجاسة و يدلّ على ذلك بيع أهل الأمصار في جميع الأعصار لزروعهم و تنانيرهم و لم أجد أحد أكره ذلك و لا خلاف فيه فوجب ان يكون جائزا و امّا النجس منه فلدلالة إجماع الفرقة و روى عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) انه قال إذا حرم اللّه شيئا حرم ثمنه و هذا محرّم بالإجماع فوجب ان يكون بيعه محرما انتهى فالذي يقتضيه كلمات العلماء هو انا لو قلنا بنجاسة ذرق الدجاج صار حاله حال العذرة النجسة فلا يجوز بيعه و ان قلنا بطهارته جاز بيعه بشرط عدم دخوله تحت شيء من العنوانات الموجبة للتحريم أو فساد البيع ككونه مما لا يترتب عليه نفع و لا فائدة و كذا الحال في فضله الخفاش فان قلنا بنجاستها حرم بيعها و الا جاز ان ترتب عليها فائدة كما هو الواقع من التسميد به و رواية تحف العقول (أيضا) تعطى ما ذكرناه حيث قال فيها أو شيء من وجوه النجس فهذا كله حرام محرم (انتهى)
قوله و ربما يستظهر من عبارة الاستبصار القول بجواز بيع عذرة ما عدا الإنسان لحمله اخبار المنع على عذرة الإنسان و فيه نظر
عبارة الاستبصار هي التي أفادت الجمع الذي حكاه (المصنف) (رحمه الله) عن الشيخ (رحمه الله) أولا و وجه النظر ان (الظاهر) ان عذرة الإنسان في كلامه من باب المثال لكل رجيع نجس لكن يدفعه ان مقابلة كل من عذرة الإنسان و عذرة البهائم بالاخر تدلّ على ان المراد بهما جمع أقسام العذرة و ان المراد بالإنسان و البهائم جميع أقسام الحيوان و أهل اللغة و ان كانوا مختلفين في معنى البهيمة فإن منهم من يقول بأنها عبارة عن كل ذات قوائم أربع من الحيوان سوآء كانت من دواب البر أم من دواب البحر و منهم من يقول بأنها عبارة عن كل حيوان لا يميّز يعنى ما عدا الإنسان كائنا ما كان كما وقع التصريح به في كلام بعضهم الا ان المقابلة تدلّ على ان المراد بالبهائم التي هي جمع البهيمة في كلام الشيخ (رحمه الله) انما هو المعنى الثاني و مقتضى ذلك اختصاص عذرة الإنسان برجيعه لا عمومها لرجيع سائر الحيوانات المحكوم بنجاسة و ان شئت قلت ان أصالة الحقيقة في الإنسان و العذرة المضافة إليه تقتضي الاختصاص و لازم ذلك ان يصير قرينة على ان المراد بالبهائم في كلامه مطلق الحيوان فالمبين قرينة للحمل الّا ان يقال ان فتواه في (الخلاف) و (المبسوط) قرينة على مراده في عبارة الاستبصار لأنه صرّح فيما حكى عنهما بجواز بيع السراجين الطاهرة و تحريم بيع النجسة من دون تفصيل و يمكن ان يقال في وجه النظر ان غاية ما حصل من كلام الشيخ (رحمه الله) انّما هو الجمع بين الخبرين الخاصين و لا يلزم من ذلك أخذه لذلك مذهبا لاحتمال اعتماده على الاخبار العامة المجبورة بالشهرة مثل قوله (عليه السلام) أو شيء من وجوه النجس و معلوم انها تشمل كل رجيع نجس و ان لم يكن رجيع الإنسان و لا يندفع هذا بأنّه لم يعلم من حال الشيخ (رحمه الله) انه اعتمد على الاخبار العامة لأن قيام الاحتمال المساوي يمنع الظهور الّا ان يقال ان ظهور لفظ الإنسان في معناه الموضوع له بعد تساوى الاحتمالين في اعتماده على الاخبار العامة واف بما استظهره المستظهر من كلامه (رحمه الله) و الاولى ان يقال في وجه النظر ان مجرّد التصدي للجمع بين الخبرين لا يدلّ على اتخاذ وجه الجمع مذهبا لان ذلك قد يكون لغرض أخر مثل إبداء إمكان الجمع بين الاخبار المتنافية لرفع الطعن من الذين في قلوبهم زيغ بأنّها لو كانت حقه و كان مصادرها معادن العلوم الإلهية لم يوجد فيها اختلاف و قد صرّح الشيخ (رحمه الله) بان تعرضه للجمع بينهما انّما هو لدفع وقوع مثل ما وقع لبعض من انحرف عن طريقة الشيعة لذلك
[فرع حكم بيع الأرواث الطاهرة]
قوله الأقوى جواز بيع الأرواث الطاهرة التي ينتفع بها منفعة محلّلة مقصودة
يدل على الجواز الأصل و امّا أشار إليه (المصنف) (رحمه الله) بتوصيفها به من كونها أعيانا طاهرة ينتفع بها منفعة محلّلة مقصودة كالايقاد و التسميد قال في جامع المقاصد و يجوز بيع أرواث ما يؤكل لحمه لأنها عين مملوكة ينتفع بها في الزرع و غيره و به صرّح في المنتهى انتهى و قد دلت الاخبار على جواز الاكتساب بما فيه منفعة محلّلة مقصودة و يعضده ما حكاه (المصنف) (رحمه الله) من نفى الخلاف و دعوى الإجماع و مع ذلك قد جرت السيرة المستمرة على الانتفاع بها و المعاوضة عليها إلا في نادر من البلاد بل من دون استثناء و لا ينافي ما ذكرناه دعوى الإجماع على حرمة بيع العذرة النجسة الاختلاف الموضوعين و لو فرض قيام الإجماع على حرمة بيع كلّ رجيع على وجه العموم الشامل لمأكول اللحم و غيره طاهرا أو نجسا كان ذلك من الإجماع على أمر عام قابل للاستثناء منه فيكون الإجماع على جواز بيع الأرواث الطاهرة مخصّصا لذلك العموم و استدل صاحب الجواهر (رحمه الله) بقوله (تعالى) أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ و قوله (تعالى) تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ و في الاستدلال بهما نظر لأنهما لا يدلان الا على ان البيع و التجارة قد امضاهما الشارع و اما ان اى شيء قابل لتعلقها به و أي شيء غير قابل لذلك فهو مسكوت عنه و استدل بعض من تأخر أخذا من كلام صاحب الجواهر (رحمه الله) بقوله (عليه السلام) لا بأس ببيع العذرة في رواية محمّد و ذكر في وجهه انّه ان كان المراد بها الأرواث الطاهرة بقرينة الأخبار المانعة عن بيع العذرة فهو عين المطلوب و ان كان المراد بها عذرة الإنسان أو مطلق العذرة دلت الرّواية على جواز بيع الأرواث الطاهرة بالفحوى ولى فيه نظر لانه على فرض ظهور لفظ العذرة في عذرة الإنسان و كونها مرادة لا يبقى مناص من طرحها