غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٦٠ - المسألة الثانية جوائز السلطان و عماله و صور المسألة
لا تنهض تلك الأدلّة بإثباته فأين قاعدة الإتلاف الّتي مقتضاها كونه سببا تامّا من هذا المقام و اين الاستصحاب و غيره رابعها ان يكون المرخص فيه هو التصدّق ناويا للضمان عازما على الخروج عن عهدة المال ان لم يرض المالك بالتصدق و هذا ايضا ليس من مقصد الأصحاب فإنهم لم يعتبر و العزم على الضمان في الموضوع و انّما جعلوا نفس الضمان من أحكام عدم الرّضا المالك بالتصدّق بعد ظهوره و اطلاعه على ما فعله من بيده المال و إذ قد عرفت ذلك كله فاعلم ان الحق في المسئلة هو الضّمان إذا لم يرض المالك بالتصدق و اختيار تغريم المتصدّق دليلنا على ذلك مرسل السّرائر و هو ما ذكره بقوله و قد روى أصحابنا انّه يتصدّق به عنه و يكون ضامنا إذا لم يرض بما فعل انتهى مؤيدا بالإجماع الذي ادعاه بعض الأساطين في شرحه على القواعد و بعدم وجود مخالف في الحكم المذكور و المرسل المؤيّد بالعمل حجة خصوصا مع تأيده بالإجماع
قوله و اما للمرسلة المتقدّمة عن السّرائر و امّا لاستفادة ذلك من خبر الوديعة ان لم نتعد من مورده الى ما نحن فيه من جعله بحكم اللقطة لكن يستفاد منه ان الصّدقة بهذا الوجه حكم الياس عن المالك
لعلّ وجه الاستفادة و ان لم يصرّح به هو (رحمه الله) ان جملة يصيبها فيعرفها حولا صفة للّقطة و يصير الحاصل ان وديعة اللص بمنزلة اللقطة بعد التعريف حولا و ان قوله (عليه السلام) فإن أصاب صاحبها (انتهى) تفريع على قوله (عليه السلام) كان في يده بمنزلة اللقطة فيكون بيانا لوجه الشبه الا ان هذا الوجه ينافيه تأنيث الضمير في قوله (عليه السلام) فإن أصاب صاحبها و قد ذكر الضمائر قبل قوله (عليه السلام) بمنزلة اللقطة في صاحبه و ان يرده و لا يرده مع انّه يستلزم ان لا يعمل بالرواية في موردها الذي هو وديعة اللص و قد اشتمل كلامه (رضي الله عنه) على عدم التعدي من موردها المشعر بالعمل بها فيه و قد صرّح بها سابقا و الظاهر في وجه الاستفادة هو تنقيح المناط بان يقال ان المناط في التصدق على وجه الضمان في اللقطة هو انّه بعد تعريفها سنة يحصل الياس من المالك و هو موجود هنا ايضا ثم ان بعض المعاصرين حكى الاستناد الى الخبر و المرسل المذكورين على عكس الترتيب في ذكرهما الواقع في كلام المصنف (رحمه الله) ثم أورد عليه بقوله و الخبر قاصر الدلالة كالمرسل إذ مقتضى عموم المنزلة لم نعثر على قائل به في المقام بحيث يفرق بين الدرهم فما دون و لقطة الحرم و نحو ذلك مع قصور السّند انتهى و يفهم من هذا الكلام أمران أحدهما قصور دلالة خبر حفص و هو في محلّه و ثانيهما قصور دلالة المرسل و لكنه مندفع بان هذا الإيراد مبنى على ان مراده (رحمه الله) بمرسل السرائر ما ذكر فيها بقوله و روى انه يكون بمنزلة اللقطة و هو توهم فاسد لان مراده بمرسل السرائر ما ذكر فيها قبل هذه الرواية في العبارة التي حكيناها سابقا بعينها و قد روى أصحابنا انه يتصدق به عنه و يكون ضامنا إذا لم يرض بما فعل (انتهى) و هو صريح الدلالة على المطلوب و كان الوهم قد سرى إليه أيده اللّه تعالى من عدم ذكر المصنف (رحمه الله) للضمان عند حكاية مرسل السّرائر سابقا فرأى ان القدر المذكور لا مساس له بمسئلة الضمان فجعل المرسل في كلامه هنا عبارة عن قوله و قد روى انّه يكون بمنزلة اللقطة
قوله و لو مات المالك ففي قيام وارثه مقامه في إجازة التصدق و رده وجه قوي لأن ذلك من قبيل الحقوق المتعلقة بذلك الأموال فيورث كغيره من الحقوق
و هذا هو الأظهر كما لا يخفى على من تدبر في أدلّة المسئلة و قواعد الشرع فانا نفهم منها ان الأمر بالتصدق انّما هو من جهة عدم إلغاء الشارع حق المالك المتعلق بذلك المال فتعلقه به غير منقطع عنه و أدلّة الإرث الجارية في سائر الحقوق جارية فيه ايضا و دعوى ان المتيقن من أدلّة المسئلة الدالة على الرجوع على التصدق انّما هو كون المالك متسلّطا على الرجوع اليه دون غير المالك مدفوعة بعد تسليمها بان عمومات الإرث ناطقة بانتقال الأموال و الحقوق الى الوارث فنحن نستفيد الانتقال منها لا من خصوص اخبار المسئلة فبعد ثبوت الحكم في حق المالك يحصل بانضمام أدلّة الإرث إليها ذلك
قوله و يحتمل العدم لفرض لزوم التصدّق بالنسبة إلى المعين
يعنى انّه حكم تعبدي متعلق بالعين
قوله و لو مات المتصدق فرد المالك فالظاهر خروج الغرامة من تركته
لا يخفى انّه ان لم يكن له تركة لم يكن للمالك سلطنة على ورثة المتصدق و هو واضح و إن كان له تركة فقد استظهر (المصنف) (رحمه الله) خرج الغرم من تركته اما لانه من ديونه كما هو الظاهر من كلام صاحب الجواهر (رحمه الله) حيث قال ينبغي ان يعزم على الضمان لو ظهر صاحبه فلم يختر الصّدقة لكن لا يحتسب بذلك من ديونه ما دام صاحبه غير ظاهر انتهى فان مفهومه انّه يحتسب من ديونه إذا ظهر صاحبه و اما لانه من الحقوق المالية اللازمة عليه بسبب فعله قلت الظاهر ان مراد صاحب الجواهر (رحمه الله) ايضا هو هذا الوجه إذ لا نفهم محصلا لكونه دينا بعد ظهور المالك و تغريمه و عدم كونه دينا قبل ذلك الا انّه كان للمالك حق الإلزام بالعزم فإذا تحقق الإلزام من المالك تنجز الدين على المتصدق و عن شرح القواعد إطلاق القول بأنّه لا يحتسب من ديونه و لعلّ مبناه عدم انصراف الدين الى ذلك أو ظهور النصوص في كون الغرامة من المالك ما دام حيا فلا تعطى إثبات الغرامة لو ظهر المالك بعد موت المتصدق و اختياره عدم إمضاء التصدق أو ان المتيقن من نصوص الباب ذلك و الأصل عدم تعلق الحق بالتركة و عموم التسبيب على وجه يشمل المقام محل تأمل و كيف كان فلازم ما ذكره في شرح القواعد كما ذكره بعض مشايخنا عدم تحقق الضمان لو ظهر المالك بعد موت المتصدّق فلم يرض بالتصدق لانّه نفى احتسابه من ديونه فلا يلزم في تركته بظهور المالك ورده للتصدق بعد موته لان ثبوته في تركته ينافي كونه من ديونه هذا و لكن الظاهر ان ذلك حق ماليّ لا مجرّد حكم تعبدي ثبت من جانب الشارع في حال حيوة المتصدق فيتعلّق بتركته على وجه التنجز بمجرد رد المالك التصدق و ان كان بما ذكره في شرح القواعد موافقا للأصل على مذاقه من عدم كونه من ديونه لاستصحاب عدم تعلقه بتركة المتصدق بعد موته بمجرد ردّ المالك