غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٧٣ - المسألة الرابعة مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه تصوير ذوات الأرواح
و القمر فقال لا بأس ما لم يكن شيئا من الحيوان و قد وقع في كلمات الفقهاء ما يعطى ان المراد تصوير صورة ما كان ذا ظل قال المحقق الأردبيلي (رحمه الله) و تصوير الحيوان ذي الظل بحيث إذا وقع عليه ضوء يحصل له ظل و هو محرم بالإجماع انتهى و ليس الملك و الجني مما له ظل قطعا فيخرجان عما يحرم تصويره و أنت خبير بان الوصف اعنى كونه ذا ظل راجع الى الصّورة لا إلى ذي الصّورة حتى يستشهد به كما لا يخفى على من أمعن النظر في عبارة المحقق المذكور و ان كانت مشوشة لأنه قال (رحمه الله) في شرح قول العلامة (رحمه الله) كعمل الصّور المجسمة كأنه احترز بها عن النقوش و التصاوير على البسط و الورق و الحيطان (مطلقا) لان (الظاهر) انه يريد تصوير الجسم بحيث يكون له ظل فيجوز عنده غير ذلك فظاهره تحريم تصوير المجسمة أي ذي الظل (مطلقا) ذي الرّوح و غيره و الظاهر ان للنقش أقساما خمسة النقش المطلق من غير تصوير صورة شيء و هو جائز بالإجماع و تصوير الحيوان ذي الظل بحيث إذا وقع عليه ضوء يحصل له ظل و هو محرم بالإجماع و الثلاثة الباقية و هو الحيوان الغير المذكور و غيره ذي ظل و غيره مختلف فيه هذا كلامه (رحمه الله) و لا يخفى على من له خبرة بالفقه و أنس بأساليب الكلام ان مراده كون الصّورة ذات ظل و لا يريد كون المصور بالفتح ذا ظل و أوضح منها عبارة جامع المقاصد التي قدمنا ذكرها في صدر المسئلة و ذكر بعض المعاصرين ان الظاهر إلحاق تصوير الملك و الجني بذلك كما قيل ثم قال أيده اللّه تعالى و لعله لاندراجه في الإطلاقات نصا و فتوى و الا فلا شاهد على الإلحاق به و لا مخرج عن الأصل و القطع بعدم الفرق بينهما و بين الحيوان ممنوع و لا عبرة بالظن عندنا انتهى أقول من المعلوم انه لا عبرة بالإطلاقات مع تقييدها بمثل قوله (عليه السلام) في صحيحة محمّد بن مسلم لا بأس ما لم يكن شيئا من الحيوان فان نفى البأس عن التصوير مقيدا بقوله (عليه السلام) ما لم يكن (انتهى) مقتضاه هو امتداد الجواز و انتفاء البأس الى ان يكون شيئا من الحيوان و معلوم ان الملك و الجني ليسا من جنس الحيوان فيندرج تصويرهما تحت حكم الجواز لكن يشكل الأمر من وجه أخر و هو انه قد وقع في رواية تحف العقول قوله (عليه السلام) و امّا تفسير الصناعات فكلّ ما يتعلم العباد أو يعلمون غيرهم من أصناف الصّناعات مثل الكتابة و الحساب و التجارة و الصّياغة و البناء و الحياكة و السّراجة و القصارة و الخياطة و صنعة صنوف التصاوير ما لم يكن مثال الرّوحاني و أنواع صنوف الآلات التي يحتاج إليها العباد منها منافعهم و بها قوامهم و فيها بلغه جميع حوائجهم فحلال فعله و تعليمه و العمل به و فيه لنفسه أو لغيره وجه الاشكال انه حكم (عليه السلام) في هذه الفقرة بالحل مقيدا بقوله (عليه السلام) ما لم يكن مثال الرّوحاني و مقتضاه امتداد الحل و استمراره إلى ان يكون المثال مما يصدق عليه انه مثال روحاني و الملك و الجني من قبيل الرّوحاني لأن المفهوم منه عرفا ليس الا ما كان فيه مبدء الحياة و ما به قوامها و هو موجود فيهما و لهذا يموتان عند نفخ الصور كما دل عليه الاخبار و (حينئذ) فيتعارض مفهوم هذه الرّواية و هو ان ما كان من قبيل مثال الرّوحاني فتصويره حرام و منطوق صحيحة محمّد بن مسلم و هو عدم البأس ما لم يكن شيئا من الحيوان لان الملك و الجني ليسا شيئا من الحيوان فمقتضى الصّحيحة هو جواز تصويرهما و مقتضى مفهوم الرواية المذكورة هو حرمة تصويرهما و لا ريب ان الخطابين عامان باعتبار لفظة ما الدالة على التوقيت لكنهما من قبيل العام و الخاص باعتبار المتعلق فان الروحاني أعم من الحيوان لكن بعد وقوعهما في حيّز النفي يصير غير الحيوان أعم من غير الروحاني فان نقيض الأعم لا بد و ان يكون أخص و بالعكس فيصير مؤدى أحدهما انه لا بأس في غير الحيوان و مؤدى الأخر انه لا بأس في غير الروحاني و من المقرر في علم الأصول ان العام و الخاص إذا كانا متوافقي الظاهر لا يلتزم هناك بالتخصيص فيعمل بهما جميعا نظرا الى ان ذكر الخاص بخصوصه انما هو للاهتمام بشأنه و ان شئت قلت ان الحيوان و الروحاني من قبيل المطلق و المقيد المنفيين في هذا المقام و قد ذكروا في باب المطلق و المقيد
انه يعمل بهما معا إذا كانا منفيين و السر فيه واضح لانه يؤل الأمر إلى العام و الخاص المتوافقين و لازم ذلك ان يقال بحرمة تصوير الروحاني (مطلقا) الشامل للملك و الجني و لعله الى هذا نظر صاحب الجواهر (رحمه الله) و شيخه (رحمه الله) و ان كان التعبير بلفظ الإلحاق لا يخلو عن مسامحة و لكن الإنصاف أن ورودهما في مقام التحديد و صيرورتهما غايتين بعد ما التوقيتية مما يأبى عن ذلك فلا بد و ان يكون المراد بهما شيئا واحدا (فيقال) ان المراد بالروحاني هو خصوص الحيوان لانه المتفاهم عرفا فينتفى (حينئذ) مفهوم الخطاب المشتمل عليه الموجب للتنافي و هو انه إذا كان روحانيا ففيه بأس من حيث صدقه على غير الحيوان الذي هو الملك و الجني و (حينئذ) يرتفع الدليل على حرمة تصويرهما و ان شئت قلت بعد تعارض منطوق قوله (عليه السلام) لا بأس ما لم يكن شيئا من الحيوان و مفهوم قوله (عليه السلام) لا بأس ما لم يكن مثال الروحاني مثلا تقدم المنطوق لكونه أقوى فيرفع اليد عن المفهوم و لازم ذلك انه لا مفهوم (حينئذ) فلا بد من إرجاعه إلى الأول حتى ينتفي المفهوم و الا فمقام التحديد يأبى عن عدم ارادة المفهوم لان التحديد ليس معناه إلا إحراز طرفي الوجود و العدم فلا بد من التصرف في الموضوع حتى لا يتولد هناك مفهوم مناف و معارض الثاني انه هل يصدق التصوير و التمثيل بمثل ما لو لبس الإنسان مثل لباس انسان أخر بقصد التشبيه به أم لا الظاهر هو الثاني فلا يدخل مثل ذلك تحت أدلة النهي عن التمثيل و التصوير لا على تقدير الحكم بإفادتها للحرمة و لا على تقدير إفادتها للكراهة و من هنا يعلم عدم تحقق الحرمة و لا الكراهة من الجهة المذكورة فيما تعارف في بلاد العجم انهم يلبسون رجلا لباس النساء تشبيها له ببعض مخدّرات سيّد الشهداء (صلوات اللّه و سلامه عليه) بقصد الرثاء و الإبكاء أو يلبسون رجلا لباسا مناسبا لصيرورته شبيهه (عليه السلام) أو شبيه أحد اخوته أو أولاده (عليه السلام) نعم لبس الرجل ما يختص بالنساء من اللباس أو العكس عنوان أخر ستعرف الكلام عليه (إن شاء الله) (تعالى) الثالث انه لو اشترك اثنان مثلا في تصوير مثال دفعة تعلقت الحرمة بهما معا و اما مع التدريج فقيل بأنها تتعلق بالأخير و الأقوى اتصاف فعل الأول بالحرمة كالثاني لأن الإتيان ببعض المركب بقصد إتمامه موجب لصدق المخالفة عند أهل العقل و العادة و لو اشتركت صورة بين الحيوان و غيره كان العبرة بالقصد ان لم يكن لأحدهما ظهور فيها هكذا قيل و هو الحق الذي لا محيص عنه لما عرفت مما بيناه في ذيل قول (المصنف) (رحمه الله) هذا كله مع قصد الحكاية و التمثيل و أورد عليه بعض المعاصرين بعد ذكره بقوله و لا يخلو من نظر لمنع مدخلية القصد في نحو ذلك فلا مخرج عن الأصل بعد اندراج ذلك تحت الدليلين و ان كان الاحتياط في محله انتهى و لا يخفى عليك ما فيه بعد ما نبهنا عليه مما عرفت و لو صور صورة واحدة مبعضة بحسب المحل كما لو صور ربعها في زاوية من زوايا البيت و ربعها الأخر في زاوية أخرى و هكذا لكن بحيث لو اعتبر انضمام بعضها الى بعض صارت صورة تامة فهل يحكم على مثل ذلك بالحرمة أم لا فيه اشكال و الأقرب ان المتبع في مثله حكم العرف و قد شاهدت في بعض كنائس النصارى جسما مربّعا مستطيلا نصب في وسطه اوصال مستطيلة منقوش عليها من الجانبين بحيث إذا نظرت اليه من اليمين رأيت صورة رجل و إذا نظرت اليه من اليسار رأيت صورة امرأة و إذا قابلته رأيت على صفحته صورة طائر و راموا بذلك تصوير التقلب في الصّور و الحاصل ان الحكم ما ذكرناه الرابع انه ذكر بعض الأساطين (رحمه الله) في شرحه على القواعد ان القول بوجوب منع الصّبيان عنه لا يخلو عن قوة انتهى و لكن لم تعثر لذلك على مستند فان الحكم به مبنى على ان يكون التصوير مثل المحرمات التي يريد الشارع