غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣٣ - المسألة الرابعة جواز المعاوضة على الدهن المتنجس
غليانه بالنار كما هو مقتضى سؤال السائل حيث قال عن ثمن العصير قبل ان يغلي فقوله (عليه السلام) و هو حلال تنبيه على علة الجواز الذي هو كونه معنونا بعنوان موجب للحل و هو كونه عصيرا لا خمرا و كان الّذي عداه الى حمل قوله (عليه السلام) و هو حلال على معنى انه ما قبل الغليان هو إشارة السائل إلى غرض المشترى و هو الطبخ أو جعله خمرا و أنت خبير بان ذلك لا يوجب حمل فعل البائع على ما قيل اغلائه بالنار مضافا الى ان جعل مناط حرمة البيع في رواية تحف العقول و غيرها هي العنوانات دون ما يعرضه الحرمة في حال دون حال مما يؤكد كون المراد في الخبرين هو كون صيرورته خمرا مناطا لحرمة البيع في هذين الخبرين الخاصين فتلك العمومات قرينة على المراد بهما مضافا الى ظهور دلالتهما و اما بالنسبة إلى مرسل بن الهيثم فهو انه ليس الجواب بنفي الخير عنه عند التغير عن حاله و الغليان نصا في حرمة البيع و لا ظاهرا بل (الظاهر) هو حرمة شربه أو نجاسة استعماله خصوصا بقرينة العمومات السابقة التي اناطت حرمة البيع بالعنوانات دون ما يحرم في حال دون حال هذا فان قلت ان رواية عمر بن أذينة تردّ ما ذكرت و ذلك انه قال كتبت الى ابى عبد اللّه (عليه السلام) اسئله عن رجل له كرم أ يبيع العنب و التمر ممن يعلم انه يجعله خمرا أو سكرا فقال انما باعه حلالا في الا بأنّ الذي يحل شربه أو أكله فلا بأس ببيعه بيان ذلك انه (عليه السلام) اعطى معيارا كليا و قانونا و هو ان بيع الشيء ان كان في وقت حله كان بيعه صحيحا و الا فلا و لا ضير في كون المورد هو بيع العنب و التمر بعد كون المناط الّذي أفاده (عليه السلام) كليا و (حينئذ) فمقتضى ذلك القانون انه ان باع العصير بعد غليانه و قبل ذهاب ثلثيه كان بيعه حراما لانه باعه في الا بأنّ الّذي يحرم شربه و هذا يهدم بنيان ما ذكر من ان بيع العصير بعد غليانه بالنار و قبل ذهاب ثلثيه يجوز بيعه قلت ان المعيار الذي ذكره الامام (عليه السلام) مما لا يضر بحالنا لان المعيار انما هو في مقابل ما لا يجوز بيعه من العنوانات لا في مقابل مجرد عارض يتفق في حال دون حال الا ترى ان السوء انما هو عن بيع العنب و التمر ممن يعلم انه يجعله خمرا أو سكرا و كل من الخمر و المسكر عنوان مستقل معروض للحرمة فيندرج في الأدلة الدالة على حرمة بيع ما عنون بعنوان هو مستقل في الحرمة فكأنه (عليه السلام) قال ان بيعه حلال لانه باعه في الإبان الّذي لم يعنون بعنوان مستقل موجب للحرمة و هو صيرورته خمرا و اين هو من عروض منا يدور مدار حال دون حال فلا يجرى ما ذكره من المناط في العنوان المستقل من دوران الحرمة مداره وجودا و عدما في الأمر العرضي الذي يجري في حال دون حال فيقال انه قبل الغليان بالنار يجوز بيعه و بعد غليانه بها لا يجوز بيعه فتدبر ثم ان بعض من تأخر قد استحسن ما أجاب به (المصنف) (رحمه الله) عن الاخبار الخاصة و قال ان ما ذكره (رحمه الله) و ان كان بعيدا في بادى الرأي الا انه بعد ملاحظة الأخبار الواردة في العصير يحصل الجزم بما ذكره (رحمه الله) في بيان المراد بالاخبار الخاصة التي تمسك بها في مفتاح الكرامة و ذلك انه لم يرد في الاخبار سؤال عن نجاسة العصير و لا الجواب بها و انما ورد فيها بيان المنع من شربه أو ما يعمه من الانتفاع مع سبق سؤال و بدونه فعن حماد بن عثمان عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال سالته عن شرب العصير قال تشرب ما لم يغل فإذا غلا فلا تشربه قلت اى شيء الغليان قال القلب و عن ذريح قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول إذا نشّ العصير أو غلا حرم و قد تقدم رواية محمّد بن الهيثم و لهذا حكم جماعة بمجرد حرمة العصير بالغليان دون نجاسته و على هذا فالأخبار الخاصة التي تمسك بها في مفتاح الكرامة مسوقة لبيان الاحتراز عما يقع معه المكلف في الحرام و هو بيعه بغير اعلام لأن المشتري (حينئذ) يشربه و يباشره فيكون قد ارتكب الحرام في الواقع و بيان التزام ما لا يقع معه في الحرام و هو ان يبيعه قبل الغليان أو يعلمه بذلك و أنت خبير بما فيه لأن ملاحظة تلك الاخبار لا تفيد ظهور الأخبار الخاصة المذكورة في
المعنى الذي ذكره (المصنف) (رحمه الله) و قد يستدل لما اختاره في مفتاح الكرامة من حرمة بيع العصير بعد الغليان و قيل ذهاب الثلثين بوجه أخر تقدم الإشارة إليه في كلامه و هو إطلاق اسم الخمر عليه في بعض الاخبار مثل ما عن التهذيب سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل من أهل المعرفة بالحق يأتيني بالبختج و يقول انه قد طبخ على الثلث و انا اعلم انه يشربه على النصف فقال خمر لا تشربه (انتهى) فيكون مثل قوله (عليه السلام) الطواف بالبيت صلاة فيكون مشاركا لها في جميع الأوصاف أو الأوصاف الظاهرة و منها النجاسة و حرمة البيع أو النجاسة وحدها فيتفرع عليه حرمة البيع و فيه ان حرمة البيع ليست من الأوصاف الظاهرة و كذا النجاسة و لهذا خالف في ثبوتها لنفس الخمر جماعة و على تقدير ثبوت نجاسة لا يتفرع عليها حرمة البيع لما عرفت من ان سبب تحريم البيع انما هي العنوانات دون ما يعرضه النجاسة في حال دون حال كما في العصير العنبي
[المسألة الرابعة جواز المعاوضة على الدهن المتنجس]
قوله يجوز المعاوضة على الدهن المتنجس على المعروف من مذهب الأصحاب
تقييد الدهن بالمتنجس احترازا عن النجس فإنه لا يجوز المعارضة عليه و ان قال بعضهم بجواز الإسراج به و قد تقدم ذكره في كلام (المصنف) (رحمه الله) و ليس التقييد بقوله على المعروف احترازا عن مقالة قائل معرف بخلاف ذلك إذ لم يعرف قائل بخلافه بل احتياط من جهة احتمال قائل غير معروف ثمّ ان ظاهر الأكثر بل الجميع عموم الجواز لجميع افراد الدهن كما هو مقتضى إطلاق معقد الإجماع المدعى في المقام لكن في ما ظاهره قصر الجواز على خصوص الزيت قال فيه ما لفظه و ان كان يعنى النجس بالمجاورة مائعا فلا يخلو من أحد أمرين اما ان يكون مما لا يطهر بالغسل مثل السمن أو يكون مما يطهر فان كان مما لا يطهر بالغسل مثل السمن فلا يجوز بيعه و ان كان مما يطهر بالغسل مثل الماء فإنه و ان كان نجسا فإنه إذا كوثر بالماء المطهر فإنه يطهر و قيل ان الزيت النجس يمكن غسله و الاولى ان لا يجوز تطهيره لانه لا دليل عليه فما هذا حكمه يجوز بيعه إذا ظهر و اما الطاهر الذي فيه منفعة فإنه يجوز بيعه لأن الذي منع من بيعه نجاسة و زوال ملكه و هذا مملوك الى ان قال يجوز بيع الزيت النجس لمن يستصبح به تحت السماء و لا يجوز الا لذلك انتهى و لكن له (رحمه الله) في كتاب الأطعمة و الأشربة كلام يظهر منه ان ذكر الزيت انما هو من باب المثال قال و ما ان كان مائعا فالكلام في السّمن و الزيت و الشيرج و البزر و هذه الادهان كلها واحد فمتى وقعت الفارة و ماتت فيه نجس كله و يجوز عندنا و عند جماعة الاستصباح به في السراج و لا يؤكل و لا ينتفع به في غير الاستصباح و فيه خلاف و رووا أصحابنا انه يستصبح به تحت السماء دون السقف الى ان قال و جملته أن الأعيان النجسة على أربعة أضرب نجس العين و هو الكلب و الخنزير و ما تولد منهما أو من أحدهما و ما في معناهما و هما ما استحال نجسا كالخمر و البول و العذرة و الجلد الميتة فكل هذا نجس العين لا ينتفع به و لا يجوز بيعه بحال الثالث ما ينجس بالمجاورة و ينتفع بمقاصده و يمكن غسله و هو الثوب فهذا يجوز بيعه و البزر مثله الرابع ما اختلف في جواز غسله و هو الزيت و الشيرج فمن قال لا يجوز غسله لم يجز بيعه و من قال يجوز غسله فالبيع على وجهين فعندنا و ان لم يجز غسله فيجوز الانتفاع به بالاستصباح فينبغي ان نقول انه يجوز بيعه بهذا الشرط انتهى و وجه ظهوره في ذلك أمران أحدهما ضم الشيرج اليه و الثاني بيان ان جواز الانتفاع به بالاستصباح سبب للقول بجواز بيعه و هذا موجود في السّمن و غيره من الادهان و كيف كان فالحق عدم الفرق بين الزيت و غيره من الادهان و النصوص مشتملة على غير (أيضا) كشمول معقد الإجماع لجميع ما عداه على حد شموله له نعم قد يتأمل في شموله للادهان التي لم يعهد استعمال الطاهر منها في الإسراج كدهن الورد و نحوه كغير الادهان من المتنجسات و لكن قد جزم بعضهم بشمول النصوص لها كشمول معقد الإجماع حملا لما في النص على المثال و لا بأس به بناء على اتحاد الجميع في المالية بالنسبة إلى الاستصباح و ان لم يستعمل الطاهر من ذلك فيه عندهم لمكان غلائه و قيام غيره مقامه على نحو قيام الشحم مقام السّمن و جريان العادة باستعمال السّمن فيه أحيانا مع الانحصار و نحوه و عدم جريانها به في نحو دهن الورد غير قاض بالفرق بينهما بعد اشتراكهما في القابلية له