غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٤٢ - الرابع يجوز الانتفاع بالدهن المتنجس في غير الاستصباح
المشترى مزجه بالماء الطاهر على وجه يخرج عن حقيقته بحسب الظاهر و يشيع في الماء حتى لا يرى غيره فهذا جار في الأعيان النجسة بالذات (أيضا) فلم لا يقول بجواز بيعها و ان كان مبنيا على القول بطهارة الماء المضاف المتنجس بمجرّد اتصاله بالماء المطلق فقد وجدنا في جامع المقاصد في شرح العبارة التي حكيناها عن القواعد انه قال و امّا الثاني أعني الحكم بطهارة المضاف النجس مع بقاء الإضافة باختلاطه بالكثير الطاهر فهذا مختار (المصنف) (رحمه الله) في هذا الكتاب و في غيره و هو مشكل لأن طهارة النجس متوقفة على شيوع الماء الطاهر في جميع اجزائه و اختلاطها به و ذلك غير معلوم على انه بالشيوع ينفصل اجزاء المطلق بعضها عن بعض فيزول وصف الكثرة فيتنجس بالملاقاة و الأصح الخروج عن الطهارة (أيضا) انتهى و حكى عن المحقق الثاني (رحمه الله) (أيضا) قول رابع و هو جواز بيعها فيما لا يتوقف الانتفاع به على طهارته كالمائعات المقصود منها الصبغ بخلاف المقصود منها الأكل و الشرب و نحوهما لكنه (رحمه الله) استدرك بناء الجواز على انها تؤل الى حالة يقبل معها التطهير لكن بعد جفافها بل ذلك هو المقصود منها هذا و قد عرفت الكلام عليه فيما تقدم و قال في الجواهر بعد ذكر هذا القول بل الحق به بعض مشايخنا الصابون مدعيا انه كالصّبغ قال فلا إشكال (حينئذ) في الغسل بما يبقى من رغوته المتنجسة لكنه كما ترى و الاولى الاستناد في خروج ذلك الى السّيرة ان كانت كما انه يمكن القول باقتصار المنع على المتنجس سابقا قبل الاستعمال اما ما تنجس به كطلي الأجرب مثلا فلا مع ان الأحوط اجتناب مطلق ما لا يضطر اليه من ذلك انتهى و حكى عن جماعة قول خامس و هو جواز بيع المتنجس ممن يستحله قال في المستند يظهر عن الاخبار جواز بيع المتنجس على من يستحله من أهل الذمة ففي رواية زكريا بن آدم عن قطرة خمر أو نبيذ قطرت في قدر فيها لحم كثير و مرق كثير قال يهراق المرق أو يطعمه لأهل الذّمة أو الكلاب الى ان قال فقلت فخمر أو نبيذ قطر في عجين أو دم فقال فسد قلت أبيعه من اليهود و النصارى و أبين لهم فإنهم يستحلون شربه قال نعم و في مرسلة ابن ابى عمير في العجين يعجن من الماء النجس كيف يصنع به قال يباع ممن يستحل الميتة و بمضمونها أفتى جماعة منهم صاحب (المدارك) و والدي العلامة (رحمه الله) و هو الأقوى خلافا للشيخ (رحمه الله) في (التهذيب) حيث قال بعد ذكر المرسلة المذكورة و نقل مرسلة أخرى هي أنه يدفن و لا يباع و بهذا الخبر نأخذ دون الأول انتهى و أورد على القول بيعه على من يستحله بضعف المستند مع كونه معارضا بما استند اليه الشيخ (رحمه الله) فلا يصلح للعدول به عن الأصل الذي هو كون الكفار مكلفين و ان أمكن العدول عنه لو اتفق دليل معتبر مخرج عنه ثم ان الحق انما هو القول الأول و يدل عليه رواية تحف العقول و رواية دعائم الإسلام و رواية فقه الرضا مضافا الى قاعدتين ادعى بعض الأساطين كونهما مسلمتين عندهم يجعل إحديهما صغرى و الأخرى كبرى فيستنتج المطلوب امّا الأولى فهي ان كل نجس يحرم الانتفاع به و قد حكى عن العلامة (رحمه الله) ما يعطى أن النجس عبارة عما يحرم الانتفاع به و ان ما يحرم انتفاعاته سيأتي في كلام (المصنف) (رحمه الله) و عن قواعد الشهيد (رحمه الله) ما لفظه النجاسة ما حرم استعماله في الصّلوة و الأغذية للاستقذار و للتوصل بها الى الضرار ثم ذكر ان قيد الأغذية لبيان مورد الحكم و فيه تنبيه على الأشربة كما ان في الصّلوة تنبيها على الطواف انتهى و امّا الثانية فهي ان كل ما يحرم الانتفاع به يحرم بيعه قال فخر المحققين (رحمه الله) في الإيضاح في شرح قول العلامة (رحمه الله) و الأقرب في أبوال ما يؤكل لحمه التحريم للاستخباث الا بول الإبل للاستشفاء ما لفظه هذا قول المفيد (رحمه الله) و الشيخ في النهاية و ذهب ابن إدريس و (المصنف) في المختلف الى الجواز لانه طاهر ينتفع به فيسوغ بيعه كغيره و انا اذكر قاعدة يعرف منها مسائل الخلاف و الوفاق و منشأ الاختلاف في كل مسائل البيع فأقول ما لا منفعة فيه أصلا لا يجوز العقد عليه أصلا لأن ذلك يكون من أكل المال بالباطل فيحرم لقوله تعالى وَ لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ و لم يقصد باذل ما ينتفع به الى الهبة فيجوز له و هذا الّذي لا منفعة فيه لا يصح تملكه كالخمر و الميتة
لأن الخمر إذا أجزنا تخليلها فقد سهل اقتناؤها للتخليل و اما ما فيه منفعة مقصودة فلا يخلو من ثلاثة أقسام أحدها ان يكون سائر منافعه محرمة و الثاني ان يكون سائر منافعه محللة و الثالث ان يكون بعضها محللا و بعضها محرما فان كانت سائر منافعه محرمة صار كالقسم الأول الّذي لا منفعة فيه كالخمر و الميتة و ان كانت سائر منافعه محللة جاز بيعه إجماعا كالثوب و العبد و العقار و غير ذلك من ضروب المال و ان كانت منافعه مختلفة فهذه المواضع من المشكلات و مزال الاقدام فنقول قد تقدم أصلان جواز البيع عند تحليل سائر المنافع و تحريمه عند تحريم جميعها فإذا اختلفت عليك فانظر فان كان جلّ المنافع و المقصود محرما منهيا حتى صار المحلل من المنافع كالمطرح فان البيع ممنوع و واضح إلحاق هذا بأحد الأصلين لأن المطرح من المنافع كالعدم و إذا كان كالعدم صار كان الجميع محرم و أشار إليه بقوله (عليه السلام) لعن اللّه اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها و ان كان الأمر بعكس ذلك كان الحكم بعكسه و هو ان يكون المقصود من المنافع و جلها مباحا و المحرم مطرح في المقصود فواضح إلحاق هذا بالأصل الثاني و هو ما حلّ سائر منافعه و أشكل من هذا القسم مما يكون فيه منفعة محرمة مقصودة مرادة و سائر منافعه سويها محلل مقصود فان هذا ينبغي إلحاقه بالقسم الممنوع لان كون هذه المنفعة المحرمة مقصودة يؤذن بأن لها حصّة من الثمن لان العقد اشتمل عليها كمال مشتمل على سائر المنافع سواها و هو عقد واحد على شيء واحد لا سبيل الى تبعيضه و المعاوضة على المحرم ممنوع فيمنع الكل و إذا وقع من هذا النوع مسائل يشكل على العالم إذ ير المنفعة المحرمة ملتبس أمرها هل هي مقصودة أم لا و يرى ما سويها منافع مقصودة محللة فيمنع من التحريم لأجل ان المقصود من المنافع محلل و لا يطلق القول بالإباحة لأجل الإشكال في تلك المحرمة هل هي مقصودة أم لا و يتساهل أخر فيقول بالكراهة فاحتفظ بهذا الأصل و سياق كلامه (رحمه الله) يعطى ان حرمة بيع ما يحرم جميع منافعه من قبيل مسائل الوفاق لان من قبيل مسائل الخلاف و هذا المقدار من قبيل المسلمات و ان كان يمكن ان يقال في صورة اختلاف المنافع ان المقصود بالبيع ان كان هي المنفعة المباحة المعتد بها عند العقلاء فالبيع صحيح جائز و ان كان المقصود هي المنفعة المحرمة بأن تكون المنفعة المعتد بها عند العقلاء محرمة فالبيع حرام فيقال ان بيع الخمر و شرائها بقصد التخليل جائز صحيح و بيعها و شراؤها للسكر بها محرم باطل و كذا بيع الصّنم المتخذ من الخشب للإيقاد جائز و لاتخاذه معبود إحرام و كذا بيع العنب ليؤكل أو يتخذ منه المشروبات المباحة جائز و بيعه ليعمل خمر إحرام و هكذا و كيف كان فالظاهر أن المقدمة الثانية و هي ان كل ما يحرم الانتفاع به يحرم بيعه مما قام الإجماع عليه بل لا يبعد دعواه عند كون أعظم منافعه محرما خصوصا مع إيقاع البيع بقصد تحصيله بل لا يبعد ذلك ايضا عند كون احدى المنفعتين المتساويتين في المرتبة محرمة إذا وقع البيع لغرض تلك المنفعة المحرمة و اما المقدمة الأولى فإنها و ان التزم بتسليمها بعضهم كما هو مقتضى ما حكيناه عن صاحب الجواهر (رحمه الله) ردا على بعض مشايخه ممن قال بأنه لا إشكال في الغسل برغوة الصابون المتنجسة ثم استند في خروج ذلك الى السيرة و كذا غيره ممن زعم كونها مما قام الإجماع عليه الا ان الحق أنها بإطلاقها بأن يكون جميع أقسام الانتفاع بالمتنجس محرمة لم يقم عليها الإجماع بل هي غير مسلمة فالاختصار بالحناء المعجون بالماء المتنجس لا دليل على حرمته و كذا بل الطين به أو سقى الدواب أو تنظيف جلده به عن الأوساخ ثم تطهيره لما هو مشروط بطهارة البدن و أمثال ذلك فتدبر
قوله و هذا هو الذي يقتضيه استصحاب الحكم قبل التنجس
يعنى ان دوران المنع عن بيع النجس مدار جواز الانتفاع به و عدمه بان يجوز البيع