غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣٤ - الأول هل أن صحة البيع مشروطة باشتراط الاستصباح
التي عليها مدار المالية لا على فعلية الاستعمال و اما لو قلنا بالفرق بين الادهان في صيرورتها مالا عرفا بسبب الاستصباح بمعنى انه يصير سببا لمالية بعضها دون بعض فهل يحكم (حينئذ) بكون الاستصباح تمثيلا لمطلق الانتفاع حتى يلزمه ان ما فيه منفعة منها و لو لم يكن المنفعة خصوص الاستصباح يجوز بيعه و ما ليس فيه منفعة لا يجوز بيعه أو يقال بالقطع بعدم الفرق بينها في جواز الاستصباح و جواز التكسب به و ان اختلفت في صيرورتها لا بسببه أو بدعوى عدم القول بالفصل بينها من جهة جواز الاستصباح و جواز التكسب به و في الجميع تأمل و لكن الثاني أقرب الى التعبد بالنص ان قلنا بشموله المطلق الادهان بجعل المذكور فيه مثالا و كذا الى التعبد بمعاقد الإجماعات
قوله و جعل هذا من المستثنى من بيع الأعيان النجسة مبنى على المنع
لما كان كلامه (رحمه الله) في المستثنيات و ذكر انها تذكر في مسائل أربع و كانت هذه المسئلة هي الرابعة و كان الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل حاول (رحمه الله) توجيه كون ما ذكره في هذه المسئلة من قبيل المستثنى فذكر ان جعل الدهن المتنجس من المستثنى من الأعيان النجسة بالمعنى الأعم الشامل للنجسة و المتنجسة مبنى على أحد الأمرين الذين هما المنع من الانتفاع بالمتنجس الا ما خرج و المنع من بيع المتنجس و ان جاز الانتفاع به نفعا محللا مقصودا لانه على كل منهما يصحّ الاستثناء فيقال على الأول يحرم الانتفاع بالمتنجس الا هذا المتنجس الخاص الذي هو الدهن فإنه يجوز الانتفاع به حتى ببيعه و استيفاء ثمنه و على الثاني يحرم بيع المتنجس و ان كان له منفعة محللة مقصودة الا هذا المتنجس المشتمل على المنفعة بخصوصه بخلاف ما لو قلنا بجواز الانتفاع بالمتنجس الا ما خرج و جواز بيع المتنجس الّذي ينتفع بها نفعا محللا فإنه يصير الحكم المخالف المستثنى منه عبارة عن أنه لا يجوز بيع المتنجس الذي ليس فيه منفعة محللة فإذا قيل في مقام الاستثناء الا الدهن للاستصباح كان الاستثناء منقطعا من جهة كون الدهن من افراد المتنجس الّذي فيه منفعة لا من افراد ما ليس فيه منفعة فتدبر
قوله و قد تقدم ان المنع عن بيع النجس فضلا عن المتنجس ليس الّا من حيث حرمة المنفعة المحللة المقصودة
لا يخفى ان حرمة المنفعة المحللة لا تتصور الا بغرض التحليل على وجه الشأنية فتأمل
قوله و الاخبار مستفيضة
مما لم يذكره (المصنف) (رحمه الله) صحيحة زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) قال إذا وقعت الفأرة في السّمن فماتت فان كان جامدا فألقها و ما يليها و كل ما بقي و ان كان ذائبا فلا تأكله و استصبح به و الزيت مثل ذلك و صحيحة الحلبي قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) من الفارة و الدابة تقع في الطعام و الشراب فتموت فيه قال ان كان سمنا أو عسلا أو زيتا فإنه ربما يكون بعض هذا فان كان الشتاء فانزع ما حوله و كله و ان كان الصيف فارفعه حتى تسرج به و موثقة سماعة قال سئلته (عليه السلام) عن السّمن (السّمن) تقع فيه الميتة فقال (عليه السلام) ان كان جامدا فالق ما حوله و كل الباقي فقلت الزيت فقال (عليه السلام) أسرج به و خبر معاوية عنه (عليه السلام) في جرذ مات في زيت ما تقول في بيع ذلك فقال (عليه السلام) بعه و بيّنه لمن اشتراه ليستصبح به قال في الوافي جرذ كصرد ضرب من الفار انتهى و هو بالذال المعجمة كما يظهر من كتب اللغة حيث انهم يذكرونه في باب الذال المعجمة لا في باب الدال المهملة
[الإشكالات التي تقع في الاكتساب بالدهن المتنجس]
[الأول هل أن صحة البيع مشروطة باشتراط الاستصباح]
قوله و نحوه مجردا عن دعوى الإجماع عبارة (المبسوط) و زاد انه لا يجوز بيعه الا لذلك و ظاهره كفاية القصد
أقول ظاهر ذيل ما حكيناه عن المبسوط في أول المسئلة هو اعتبار الاشتراط لانه قال فعندنا و ان لم يجز غسله فيجوز الانتفاع به بالاستصباح فينبغي ان نقول انه يجوز بيعه بهذا الشرط انتهى و هذه العبارة أظهر في الدّلالة على الاشتراط من دلالة العبارة التي حكاه (المصنف) (رحمه الله) على مجرد القصد لكونه أخص فيحمل الظاهر على الأظهر الا ان يحمل ما حكيناه على كونه عدولا لكونه متأخرا
قوله و كيف كان فقد صرح جماعة بعدم اعتبار قصد الاستصباح
هذا قول ثالث في المسئلة و هو الحق إذ لم يجعل الاستصباح في النصوص غاية للبيع و انما جعل غاية لبيان المشترى ذلك للبائع نعم يجب مجرد الاعلام التضمن النصوص الأمر بالبيان و الاعلام
قوله و يمكن ان يقال باعتبار قصد الاستصباح إذا كانت المنفعة المحللة منحصرة فيه و كان من منافعه النادرة التي لا يلاحظ في ماليته كما في دهن اللوز و البنفسج و شبههما
(انتهى) محصل هذه العبارة إلى أخرها قول رابع و هو التفصيل بين ما ذكره من الغرض و هو انحصار المنفعة المحللة في الاستصباح و كان هو من المنافع النادرة الغير الملحوظة في مالية ذلك الدهن فيعتبر قصد الاستصباح حينئذ و بين ما لو كان الاستصباح منفعة غالبة متعارفة يكون باعتبارها ماليته أو من منافعه المساوية للأكل فلا يعتبر (حينئذ) قصد الاستصباح في البيع و أورد عليه بعض المعاصرين بما نصه و فيه مع إمكان كونه خرقا للإجماع المركب بعد تسليم شمول كلماتهم لذلك كما هو المفروض و الا لم يكن وجها رابعا كما هو واضح ان المالية تابعة للقابلية للانتفاع به في الفوائد المعتادة المقصودة أو غيرها و ان منع من فعليتها مانع من غلاء القيمة و غيره كما لو غلت قيمة السّمن و نحوه و لا شاهد على حصرها بالأول بل هو على خلافه كما يساعد عليه الوجدان و الفطرة المستقيمة فتأمل فيه و النص لعله كاشف عن ذلك لا عن إثبات مالية شرعية مخالفة للعرف و العادة كما ان اللازم انما هو العمل بظاهره مع عدم المانع منه و ظاهره انما هو صورة الإطلاق المنصرف إلى النادرة بحكم الشارع فلا يكون أكلا للمال بالباطل و لا ينافيه انصرافه عرفا إلى الفوائد المحرمة مع عدم قصدها للمتعاقدين بالخصوص و دعوى ان انصرافه إليها مستلزم لقصدها (كذلك) فيبطل عهدتها على مدعيها بل لا يبعد الصحة مع قصد جميع المنافع التي منها المحللة فينصرف الثمن شرعا إليها و يلغى قصد غيرها و لم يثبت كونه مانعا منها و اولى بها ما لو لم يلتفتا الى المنافع أصلا لأنه مال واقعي شرعا قابل لبذل المال بإزائه و لم يقصد به خصوص المنافع المحرمة التي لا يصحّ بذل المال بإزائها كما جزم به بعضهم بل قد يقال بها ان لم يكن إجماع على عدمها مع قصد المحرمة خاصة لأن بذل المال انما هو بإزاء العين التي هي مال عرفا أو شرعا لا في مقابلة المنافع المحللة أو المحرمة و انما الشرط وجود الاولى فيها خاصة و لذا يصح مع الغفلة عن ملاحظتها و قصد المحرمة انما هو من الدواعي لقصد نقل العين اليه و لم يثبت كونه مانعا منها و ان كان حراما بل و ان كان البيع المشتمل عليه حراما إذ لا يلزم منه الفساد في نحو ذلك لا عرفا و لا شرعا و لعله لذا قال الفاضل في محكي التذكرة بأن الجارية المغنية لو بيعت بأكثر مما يرغب فيها لو لا الغناء فالوجه التحريم و لا داعي لحمله على ارادة الفساد منه فتأمل جيد انتهى
قوله فلو لم يعلم المتبايعان جواز الاستصباح بهذا الدهن و تعاملا من غير قصد الى هذه الفائدة كانت المعاملة باطلة لأن المال مبذول مع الإطلاق في مقابل الشيء باعتبار الفوائد المحرمة
المراد بهذا الفرض هو ما لو كان هناك قصد منهما إلى الفوائد في الجملة لكن لم يكونا قاصدين إلى الفائدة الخاصة و ذلك بحكم الجمع بين التعليل الّذي علل به هذا الحكم و بين قوله ثم لو علمنا عدم التفات المتعاملين الى المنافع أصلا أمكن صحتها لانه مال واقعي قابل لبذل المال بإزائه (انتهى)
قوله و اما فيما كان الاستصباح منفعة غالبة
(انتهى) عطف على قوله و يمكن ان يقال باعتبار قصد الاستصباح إذا كانت المنفعة المحللة منحصرة فيه فيصير الحاصل من المعطوف و المعطوف عليه هو التفصيل بين ما لو كان الاستصباح من المنافع النادرة للدهن و بين ما لو كان من المنافع الغالبة أو المساوية فيعتبر القصد إلى المنفعة المحللة النادرة التي هي الاستصباح في الأول بخلاف الأخيرين فإنه لا يعتبر فيهما القصد إلى المنفعة المحللة الغالبة أو المساوية
قوله كما يومي الى ذلك ما ورد في تحريم شراء الجارية المغنية و بيعها
لعل المراد بذلك ما رواه في الوسائل عن محمّد بن على بن الحسين قال سئل رجل على بن الحسين (عليه السلام) عن شراء جارية لها صوت فقال (عليه السلام) ما عليك لو اشتريتها فذكرتك الجنة يعني بقراءة القران و الزهد و الفضائل التي ليست بغناء فاما الغناء فمحظور لكن يشكل الأمر في هذه الرواية من جهة ان شيئا مما بعد قوله يعنى ليس من لفظ المعصوم (عليه السلام) و الإيماء انما يحصل بذلك و الا فالسؤال انما هو عن شراء جارية لها صوت و هو أعم من الغناء و هو (رحمه الله) أشار الى ما ورد في تحريم شراء الجارية