غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٨٩ - المقام الأول في المراد بالسحر
الناس و لهذا نهى الشارع من إتلاف المال و تضييعه و الإسراف به فلا يتأتى منه تشريع السلطنة المشكوك فيها و افادة كيفيتها ثمّ ان قوله (عليه السلام) في الرواية الأولى يتناول والدك من مالك و بدنك و ليس لك ان تتناول من ماله و لا بدنه شيئا و ان كان يزيد قوة في دلالة قوله (عليه السلام) أنت و مالك لأبيك الا انه يجرى فيه ما ذكرناه فيه من ان المراد به ان للوالد ان ينتفع بولده الا ان يؤذيه فيجوز في الجملة أن ينتفع بماله و كذا ببدنه بان يستعمله في بعض حوائجه مثلا و لا يجوز له ان يضربه أو يجرحه أو يذبحه أو يأكله مثلا
قوله فتأمل
لعله إشارة الى ما ذكرناه من ان مقتضى قولهم (عليه السلام) أنت و مالك لأبيك انّما هو تسويغ الانتفاع به و بماله في الجملة و لا يتأتى من ذلك تجويز إيذائه بالسّب و نحوه و الا لجاز ضربه و غيره من أنواع الأذى
[المسألة العاشرة مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه السحر]
قوله السحر حرام في الجملة
بمعنى حرمة بعض اقسامه كما سيفصل القول فيه و عن (الدروس) ان تعلّمه للاحتراز منه و للفرق بينه و بين المعجز جائز و ربما وجب قال في جامع المقاصد بعد نقله و ليس ببعيد ان لم يلزم منه التكلم بمحرم أو فعل ما يحرم انتهى و قول (المصنف) (رحمه الله) في الجملة صالح للاحتراز عما ذكره (أيضا)
قوله و في رواية السكوني
قال في السّرائر السكون بفتح السّين قال محمّد بن إدريس منسوب الى السكون قبيلة من اليمن و هو إسماعيل بن زياد و هو عامي المذهب الا انه يروى عن الأئمة (عليه السلام) انتهى و في منتهى المقال السّكوني اسمه إسماعيل بن ابى زياد (الخلاصة) و في (التعليقة) و يحتمل ان يطلق على إسماعيل بن مهران و الحسن بن الحسين و الحسن بن محمّد بن الحسين و الحسين بن عبيد اللّه بن حمران و الحسين بن مهران و محبوب بن حسان و محمّد بن محمّد بن النضر قلت و مهران بن محمّد و احمد بن محمّد بن ابى نصر لكن المعروف المشهور به هو إسماعيل بن ابى زياد كما مر عن الخلاصة و لذا لم يذكر في الحارى و الوجيزة و غيره انتهى ما في منتهى المقال
[المقام الأول في المراد بالسحر]
قوله و عن ثالث انّه الخدع
قال في المجمع خدعه يخدعه خدعا و خدعا (أيضا) بالكسر ختله و أراد به المكروه من حيث لا يعلم و الاسم الخديعة الى ان قال و الخدع إخفاء الشيء
قوله أو رقية
قال في جامع المقاصد الرقية بضمّ الراء العوذة
قوله أو يعمل شيئا يؤثر في بدن المسحور
(انتهى) قال في جامع المقاصد و اعلم ان قوله يؤثر في بدن المسحور ان كان قيدا في الجميع يخرج عن التعريف كثير من أقسام السّحر التي لا تحدث شيئا في بدن أو قلب أو عقل أو في الأخير أعني قوله يعمل شيئا يخرج عنه السّحر بالعمل حيث لا يؤثر في شيء من المذكورات و من السّحر عقد الرّجل عن زوجته بحيث لا يقدر على وطئها أو إلقاء البغضاء بينهما أو نحو ذلك و أجاب عنه في مفتاح الكرامة بأن (المصنف) (رحمه الله) يختار ان كل اقسامه لها تأثير و لا أقل من إلقاء البغضاء أو عدم القدرة على الوطي أو سحر العين و الاسترهاب فتأمل جيد انتهى
قوله و زاد في المنتهى أو عقد
الظّاهر ان المراد به هو العقد في الخيط و نحوه امّا بضميمة رقية أو في وقت خاص كما يقال ان العقد في حال إيقاع صيغة النكاح في خيط و نحوه لأجل عقد الرّجل عن المرأة المعقود عليها يوجب ذلك
قوله أو أقسام و عزائم
قال في المجمع العزائم الرقى و عزمت عليكم اى أقسمت عليكم
قوله و زاد في (الدروس) الدخنة و التصوير
الدخنة كغرفة النجور و امّا التصوير فهو ان يصور صورة المسحور فيوقع بها ما يرد إيقاعه على المسحور مثل ان يعزز لسانها بإبرة مثلا فيحدث وجع في لسان المسحور و هكذا
قوله و النفث
قال في المصباح نفث من فيه نفثا من باب ضرب إذا بزق و منهم من يقول إذا بزق و لا ريق معه و نفث في العقدة عند الرقى و هو البصاق اليسير انتهى و قد وقع الاستعاذة منه في قوله (تعالى) وَ مِنْ شَرِّ النَّفّٰاثٰاتِ فِي الْعُقَدِ
قوله و (الظاهر) ان المسحور فيما ذكراه هي الملائكة و الجن و الشّياطين و الإضرار بهم يحصل بتسخيرهم و تعجيزهم من المخالفة له و الجائهم إلى الخدمة
(١١) (الظاهر) ان هذا الكلام تعريض بما في مفتاح الكرامة حيث قال بعد ذكر عبارات الجماعة ما لفظه إذا عرفت ذلك فعد إلى عبارة الكتاب و ما كان مثلها فقولهم يؤثر في بدن المسحور إلى أخره ظاهره ان استخدامات الجن و الملائكة و استنزال الشياطين ليست من السحر و ان حرمت من وجه أخر لكونها كهانة كما ستعرف إذ لا تأثير لهذه في شيء من البدن و العقل و القلب و لا سحر العين و لا تورث استرهابا و لهذا ترك ذكرها الأكثر و ما ذكرها غير الشهيدين و من تأخر عنهما أو عن أحدهما اقتصر على نسبة ذلك إليهما أو الى الشهيد كالكبركى و الخراساني و ما وافقهما غير الكاشاني انتهى و ذلك لان خروج ما ذكر عن السحر مبنى على ان نفس ذلك العمل الذي هو استخدام الجن مثلا لا يؤثر في شيء من بدن الإنسان أو عقله أو قلبه فنبه (المصنف) (رحمه الله) على ان المسحور في مثل ذلك ليس هو الإنسان حتى يلزم التأثير فيه و انما المسحور هو الجن أو الملك و قد اثر فيهما فبهذا الاعتبار يجوز إدراج مثله في التعريف
قوله أو بتمزيج القوى السّماوية بالقوى الأرضية
(١٢) (الظاهر) انّه أراد بالقوى السّماوية القوى الفعالة التي يعتقد بها من يعتقد بسحر الكذابين الذي يأتي ذكره و بالقوى الأرضية استعدادات المسحورين فالطلسمات على زعم أهلها توجب توجه تلك القوى السّماوية الى المستعدات السفلية فتحدث فيها آثار أو يمكن ان يكون المراد بالقوى الأرضية استعداد المؤثرات التي هي من العالم السفلى كالشياطين أو الزنجار و الزنجفر اللذين يكتب بهما بعض الطلسمات و يكون المراد بتمزيج القوى السّماوية بالقوى الأرضية الجمع بينهما في التأثير و ذلك لعلم السّاحر بكيفيات الجمع و الخواص أنواع اجتماعهما و هذا انسب بلفظ التمزيج
قوله سحر أصحاب الأوهام و النفوس القوية
(١٣) قالوا اختلف الناس في ان الذي يشير اليه كلّ انسان بقوله انا ما هو فمن الناس من يقول انه هو هذه البنية و منهم من يقول انه جسم سار في هذه البنية و منهم من يقول انه موجود ليس بجسم و لا جسماني امّا إذا قلنا ان الإنسان هو هذه البنية فلا شك ان هذه البنية مركبة من الأخلاط الأربعة فلم لا يجوز ان يتفق في بعض الأعصار النادرة ان يكون مزاج من الأمزجة في ناحية من النواحي يقتضي القدرة على خلق الجسم و العلم بالأمور الغائبة عنا و هكذا الكلام إذا قلنا ان الإنسان سار في هذه البنية امّا إذا قلنا الإنسان هو النفس فلم لا يجوز ان يقال ان النفوس مختلفة فيتفق في بعض النفوس ان كانت قادرة على هذه الحوادث الغريبة مطلعة على الأسرار الغائبة ثم انه قد ذكر لهذا الاحتمال مؤكدات منهما ان الجذع الذي يتمكن الإنسان من المشي عليه لو كان موضوعا على الأرض لا يمكنه المشي عليه لو كان كالجسر على هاوية تحته و ما ذاك إلا لأن التخيل السقوط متى قوي أوجبه و منها انه أجمعت الأطباء على نهى المرعوف عن النظر إلى الأشياء الحمر و المصروع عن النظر إلى الأشياء القوية اللمعان و الدوران و ما ذاك إلا لأن النفوس خلقت مطيعة للأوهام و منها انه أجمعت الأمم على ان الدعاء مظنة للإجابة و أجمعوا على ان الدعاء اللساني الخالي عن الطلب النفساني قليل البركة عديم الأثر فدل ذلك ان للهم و النفوس اثارا و هذا الاتفاق غير مختص بملة معينة و نحلة مخصوصة إذا قد عرفت هذا فنقول النفوس التي تفعل هذه الأفاعيل قد تكون قوية جدا فتستغنى في هذه الأفعال عن الاستعانة بالآلات و الأدوات و قد تكون ضعيفة فتحتاج إلى الاستعانة بهذه و تحقيقه ان النفس إذا كانت مستعلية على البدن شديدة الانجذاب الى عالم السّموات كانت كأنها روح من الأرواح السّماوية فكانت قوية على التأثير في مواد هذا العالم امّا إذا كانت ضعيفة شديدة التعلق بهذه اللذات البدنية (فحينئذ) لا يكون لها تصرف البتة إلا في هذا البدن فإذا أراد هذا الإنسان صيرورتها بحيث يتعدى