غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٤٠ - الرابع يجوز الانتفاع بالدهن المتنجس في غير الاستصباح
الفقهاء للمتنجسات في مقابلة النجاسات بل يكون حديث الاكتفاء بالعموم عن ذكر المتنجسات و الاكتفاء بذكر العموم عن ذكر باقي النجاسات منافر الان من تعرض منهم للنجاسات ذكر الجميع و من ترك فقد ترك الجميع فالاكتفاء بالعموم عن باقيها مما لا يتحقق له معنى هناك و أنت خبير بان كلامه بالمعنى الذي ذكر مما لا مساس له بكلام (المصنف) (رحمه الله) لان فاعل لم يعدده في كلامه هو ضمير الجمع العائد إلى الفقهاء ثم انه على ما حققه (المصنف) (رحمه الله) من ان المراد بوجوه النجس هي العنوانات المعهودة لا يلزم تخصيص الأكثر على ما عرفت و اما على ما ذكره المعاصر المذكور فتخصيص الأكثر لازم كما تقدم بيانه و قد أشار الى دفعه بما حاصله انه يمكن ان يكون المراد به المنع من استعمال المتنجس على نحو استعمال الطاهر بحيث لا يتعقبه تطهير منه و نحوه فلا يستفاد منه المنع منه مع معارضته بما فيه (أيضا) من ان كل شيء يكون لهم فيه الصلاح من جهة من الجهات فحلال بيعه و شراؤه و إمساكه و استعماله و هبته و عاريته ثم قال أيده اللّه و منه يظهر صحة التكسب به لغير الاستصباح كخبر النوادر عمومات البيع و نحوه و اليه صار بعض من تأخر حاكيا له عن غيره كما عن الشهيد (رحمه الله) و الكركي و غيرهما انتهى و لكن يتجه عليه اشكال و هو ان المراد بوجوه النجس ليس هو خصوص المتنجسات بل ما يعمها و النجاسات الأصلية و (حينئذ) فجعل المنهي عنه خصوص ما كان من الاستعمال على نحو استعمال الطاهر بان لا يتعقبه تطهير يبطل الاستدلال به في حرمة استعمال الأعيان النجسة و قد استدل هو و غيره فيها و يمكن دفعه بان المراد بوجوه النجس ما هو أعم من الأعيان النجسة و المتنجسة غاية ما في الباب انه قد قيد حكم التحريم بالنسبة إلى القسم الثاني بان لا يتعقبه تطهير هذا و لكن يرد على هذا المعيار انه ان استعمله بقصد تطهيره بعد ذلك و لكن اتفق انه لم يتعقبه تطهير لم يكن نفس الاستعمال (حينئذ) حراما مع انه يصدق عليه انه استعمال لم يتعقبه تطهير و اما ما ذكره من انه يظهر من قوله (عليه السلام) كل شيء يكون لهم فيه الصّلاح صحت التكسّب به فإن أراد به صحة التكسب بالدهن المتنجس كما هو الظاهر فهو صحيح و ان أراد مطلق المتنجس فلا بد من تقييده لان مجرد جواز الانتفاع بالمتنجس لا يستلزم صحة التكسب به لأنها تدور مدار صدق المالية الدائرة مدار المنفعة المعتد بها ثم ان بعض مشايخنا أجاب عن اشكال تخصيص الأكثر بوجه أخر و هو ان المراد النهى عن الانتفاعات و التقلبات المتعارفة المعلومة في الشرع من الأكل و الشرب و لبسه في الصّلوة مثلا و تملكه و استعماله في مشروط بالطهارة و يتجه عليه ان المراد بوجوه النجس ليس هو خصوص المتنجس بل ما يعمه و الأعيان النجسة فإذا أريد بالنهي عن استعمال وجوه النجس الاستعمالات المعهودة المذكورة لم يصحّ الاستدلال به على حرمة الانتفاع بالأعيان النجسة بما يخرج عن تلك الاستعمالات المعهودة و لكنا نلتزم به كما التزم به (المصنف) (رحمه الله) حيث اختار ان الأصل في الأعيان النجسة هو جواز الانتفاع خرجت الانتفاعات المعهودة من الأكل و الشرب و الاستعمال في مشروط بالطهارة و بقي غيرها تحت الأصل
قوله و الأول لا يشمل الا الحكم الواقع مورد الخلاف لانه الظاهر من قوله دليلنا إجماع الفرقة
و الحكم الواقع مورد الخلاف في كلام الشيخ (رحمه الله) هو جواز الاستصباح لانه هو الذي أثبته الشيخ (رحمه الله) و أبو حنيفة و أنكره ابن داود في ضمن عموم نفى الانتفاع في خصوص السمن
قوله و اما جماع السيد (رحمه الله) في الغنية فهو في أصل مسئلة تحريم بيع النجاسات و استثناء الكلب المعلم و الزيت المتنجس لا فيما ذكره من ان حرمة بيع المتنجس من حيث دخوله فيما يحرم الانتفاع به
لا يخفى ان المفيد لحرمة بيع المتنجسات و دخولها فيما يحرم الانتفاع به عبارة واحدة و هي قوله و يدخل في ذلك كل نجس لا يمكن تطهيره عقيب اشتراطه في المبيع ان يكون مما ينتفع به منفعة محللة فإن دخول المتنجسات في ذلك أوجب ترتب حكم حرمة البيع عليها و (حينئذ) نقول ان دلالة عبارة السيّد (رحمه الله) على ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) من التفكيك بين حرمة بيع المتنجس و بين دخوله فيما يحرم الانتفاع به و كون حرمة بيعه من حيث دخوله فيه برجوع الإجماع إلى الأول دون ما بعده انما يتم بان يكون لفظ ذلك إشارة إلى مفهوم ما تحفظ عنه فيكون معنى قوله و يدخل في ذلك ما يرادف قوله (رحمه الله) و يدخل فيما تحفظنا عنه اى حكمنا بعدم جواز بيعه كل نجس لا يمكن تطهيره فإنه (حينئذ) يمكن ان يقال ان الإجماع راجع الى الحكم بعدم جواز بيع كل متنجس و اما كون ذلك الحكم من جهة كون المتنجس مما لا يجوز الانتفاع به فذلك مما لا يتوجه اليه دعوى الإجماع لأن دعواه انما ترجع الى الحكم لا الى علته أو بان يكون المراد بالدخول هو الدخول حكما لا موضوعا بان يكون معنى قوله و يدخل في ذلك كل نجس انه يلحق بما يحرم به الانتفاع به من حيث الحكم كل نجس فإذا اتبعه بدعوى الإجماع رجعت الى اللحوق حكما أعني حرمة بيع المتنجس لا الى كونه من جهة حرمة الانتفاع به و أنت خبير بان كلا الوجهين خلاف ما يقتضيه ظاهر سياق الكلام إذ ليس ظاهره الا انه يدخل فيما يحرم منافعه كل نجس لا يقبل التطهير دخولا موضوعيا و إذا دخل في ذلك لم يجز بيعه لان حكمه كان هو عدم جواز بيعه فإذا اتبعه بدعوى الإجماع رجعت الى دخول النجس المذكور فيما لا يجوز الانتفاع به دخولا موضوعيا فكلامه (رحمه الله) ظاهر في دعوى الإجماع على كون النجس المذكور مما لا يجوز الانتفاع به و بواسطة كونه من جملة ما لا يجوز الانتفاع به يدل على عدم جواز بيعه حيث بين ان حكمه ذلك مضافا الى ذلك انه على الوجهين المذكورين لا يستفاد من كلام السيّد (رحمه الله) كونه قائلا بأن حرمة بيع المتنجس من حيث دخوله فيما يحرم الانتفاع به دخولا موضوعيا كما اعترف به (المصنف) (رحمه الله) فافهم
قوله و لا يخفى ظهوره في جواز الانتفاع بالمتنجس و كون المنع من بيعه لأجل النص يقتصر على مورده
وجه ظهوره في ذلك اشتماله على قوله من المائعات المتنجسة التي يمكن الانتفاع بها في بعض الوجوه ضرورة ان المراد بالإمكان هو الجواز الشرعي و معنى قوله و كون المنع عن بيعه لأجل النص يقتصر على مورده هو ان المنع عن بيع المتنجس انما هو من جهة النص على المنع منه و الا كان اللازم هو الحكم بجوازه حيث جاز الانتفاع به فيقتصر في المنع على مورده الذي هو البيع و لا يتعدى الى سائر الانتفاعات بان يحكم بمنعها و أنت خبير بأنه ليس في العبادة المذكورة ما يدل على هذا لان قوله و انما خرج هذا الفرد بالنص معناه انه خرج بيع الدهن للاستصباح عن تحت القاعدة التي صرحوا بها من عدم جواز بيع المائعات النجسة بدلالة النص على جوازه و لهذا قال بعده و الا كان ينبغي مساواتها لغيرها من المائعات المتنجسة التي يمكن الانتفاع بها في بعض الوجوه يعنى مساواتها في عدم جواز بيعها بحكم القاعدة التي صرحوا بها و يجرى هذا المجرى النص الذي تمسك به في رد من الحق ببيعها للاستصباح ببيعها ليعمل صابونا فان النص الذي يلزمه الخروج عن مورده هو ما دل على جواز بيع الدهن لخصوص الاستصباح نظرا الى ان القائل بالإلحاق يتعدى عن المورد الخاص الذي هو الاستصباح الى غيره و كونه مخالفا للأصل معناه انه مخالف للقاعدة التي صرحوا بها من عدم جواز بيع المائعات و لهذا اتبعه بقوله فان جاز يعنى بيع الدهن لجعله صابونا من جهة تحقق المنفعة فينبغي مثله يعنى جواز البيع في المائعات النجسة التي ينتفع بها كالدبس يطعم النحل و التالي أعني جواز البيع في المائعات المذكورة باطل فالمقدم الذي هو جواز بيع الدهن ليعمل صابونا مثله فالوجه ان يقال في توجيه كلام (المصنف) (رحمه الله) ان قوله و كون المنع من بيعه لأجل النص يقتصر على مورده مسوق لبيان إبراز لازم جواز الانتفاع بالمتنجس و ان ظهور عبارة لك في ذلك انما هو بحكم اللزوم لا من جهة انه صرح به في منطوق كلامه فتدبر
قوله ثم لو قلنا بجواز البيع في الدهن لغير المنصوص من الانتفاعات المباحة فهل يجوز بيع غيره من المتنجسات المنتفع بها في المنافع المقصودة المحللة كالصبغ و الطين و نحوهما أم يقتصر على المتنجس المنصوص و هو الدهن غاية الأمر التعدي من حيث غاية البيع الى غير الاستصباح
لا يخفى ان القائل بجواز بيع الدهن لسائر الانتفاعات المباحة يحمل استثناء الدهن للإسراج من باب المثال اما بظهور نفس الكلام في ذلك أو بمعونة الدليل الخارجي و كيف كان فينبغي تفصيل القول في بيع المتنجسات و تقديم كلام من الشهيد (رحمه الله) في القواعد