غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٤١ - الرابع يجوز الانتفاع بالدهن المتنجس في غير الاستصباح
قال (رحمه الله) قد يترتب أحكام على أسباب يمكن اعتبارها في الحال و المال فيقع لذلك اشكال و صورها كثيرة ثم أخذ في بيانها الى ان قال الخامسة عشر في جواز بيع الدهن النجس الوجهان ان قلنا بقبوله الطهارة أما الماء فقابل لها و توهم بعضهم ان تطهير الماء لا يقع بالمكاثرة بل باستحالته من صفة النجاسة الى صفة الطهارة فعلى هذا لا يصحّ بيعه قبل تطهيره كما لا يصحّ بيع الخمر و ان رجي انقلابها نظرا الى الحال السّادسة عشر بيع السّباع جائز تبعا للانتفاع بجلدها و هو نظر الى المال السابعة عشر بيع الات الملاهي ذات الرصاص المتقوم في صحته الوجهان إذ لا منفعة لها في الحال و يحتمل الجواز ان اتخذت من جوهر نفيس لأنها مقصودة في نفسها بخلاف الخشب فإن فإن قصده بعيد هذا ما أهمنا من كلامه (رحمه الله) و (حينئذ) نقول لا يخلو اما ان يكون المتنجس من قبيل الجوامد القابلة للتطهير كالثياب المتنجسة و الفرش و البسط و الأواني و الجواهر و أمثالها و هذا القسم لا إشكال في جواز بيعه بل ادعى عليه الإجماع بل الضرورة قال في المستند و اما القابلة له يعنى الجوامد المتنجسة القابلة للتطهير كالثوب المتنجس و الحبوب فيجوز بيعها و التكسب بها بالإجماع بل الضرورة و في الاخبار عليه الدلالة انتهى نعم ذكر الشيخ (رحمه الله) في (المبسوط) بعد تقسيم النجس الى قسمين نجس بالمجاورة و نجس العين ما لفظه و اما النجس بالمجاورة فلا يخلو من أحد أمرين اما ان تكون النجاسة التي جاورته ثخينة أو رقيقة فان كانت ثخينة تمنع من النظر اليه فلا يجوز بيعه و ان كانت رقيقة لا تمنع من النظر اليه جاز بيعه هذا ما أهمّنا من كلامه (رحمه الله) و المنقول في توجيه بطلان البيع في الجامد الذي عرضه نجاسة سترته عن النظر أمران أحدهما انه إذا كان مستورا يصير مجهولا فلا يصحّ بيعه لذلك و ثانيهما انه في الصّورة المفروضة يكون عين النجاسة داخلة في المبيع و كلا الوجهين راجعان إلى أمر خارج لا مدخل لهما بالنجاسة و الا فالمستور بها و غيره سيان في أصل التنجس و على هذا يصحّ لنا ان ندعى ان الشيخ (رحمه الله) موافق لغيره في عدم منع نفس التنجس و اما ان يكون المتنجس من قبيل الجوامد الغير القابلة للتطهير كالعسل و السمن الجامدين بعد التنجس في حال الميعان ضرورة ان الماء لا يسرى الى جميع اجزاء السّمن حتى لو القى في الماء الحار في حال غليانه و الدبس لا يطهر باقيا على كونه دبسا إذ لا يطهر الا بعد امتزاج الماء بجميع اجزائه و لا يتحقق الا بعد ان يصير ماء (مطلقا) و حكمه حكم المائعات المتنجسة الغير القابلة للتطهير بلا خلاف ظاهر و ستعرف حكمها نعم لو أصابها النجاسة في حال الجمود أخذ منه موضع النجاسة و كان الباقي طاهر أو يدل عليه صحيحة زرارة إذا وقعت الفأرة في السمن و مات فان كان جامدا فألقها و ما يليها و كل ما بقي و ان كان ذائيا فلا تأكله و استصبح هو الزّيت مثل ذلك و نحوها غيرها و على هذا يجوز بيعه و لو باع المجموع من المتنجس و الطاهر كان البيع باطلا من جهات أخر خارجة عما نحن فيه كالجهل بمقدار الطاهر و نحو ذلك و اما ان يكون من قبيل الجوامد التي يقبل التطهير ظاهرها و لا يقبله باطنها كالذهب و الفضة و النحاس و نحوها المذابة المتنجسة في حال ذوبانها و هذا القسم له حالتان إحديهما حالة الذوبان و الأخرى حالة الجمود ففي الحالة الأولى يجوز بيعه من جهة ان له حالة لاحقة يقبل ظاهرها الطهارة فيها و يصحّ الانتفاع به في تلك الحالة و لا يتوقف ماليته على طهارة باطنه كالدراهم و الدّنانير المسكوكة بسكة يباشرها أهل الشرك و قد يتوقف في بيعه في الحالة المذكورة و الوجه ما ذكرناه و منه يظهر جواز بيعه في الحالة الأخرى بطريق اولى و من هنا يعلم جواز بيع العجين المتنجس و الطين المتنجس لان للأول حالة صيرورته خبزا و للثاني حالة اليبس و هما في هاتين الحالتين قابلان للتطهير و صرّح بما ذكرناه صاحب الجواهر (رحمه الله) في العجين و اما ان يكون من قبيل المائعات و هي على قسمين أحدهما نفس الماء و الأخر غيره اما الأول فقد يقال فيه إذا تنجس بعدم جواز بيعه بوجوه أحدها انه قد علل حرمة بيع الخمر في بعض الاخبار بنجاستها و لذلك تعدوا بحكم العلة المنصوصة إلى النبيذ المسكر الذي هو نجس فكذا الماء فيحرم بيعه لنجاسة التي هي علة
منصوصة في الخمر و ثانيها ما عرفت سابقا من تعليل صحة بيع العنب أو التمر ممن يعلم انه يجعله خمرا بأنه انما باعه في الإبان الذي يحل شربه أو أكله فلا بأس ببيعه و (حينئذ) فلا يجوز بيع الماء النجس لان بيعه في حال التنجس بيع له في الإبان الذي لا يحل شربه و ثالثها الروايات الناطقة بالأمر بإراقة الماء المتنجس كصحيحة البزنطي عن الرجل يدخل يده في الإناء و هي قذرة قال يكفى الإناء و صحيحة البقباق و فيها قال رجس نجس اى الكلب لا تتوضأ بفضله و أصيب ذلك الماء الحديث و صحيحة أبي بصير عن الجنب يجعل الرّكوة أو التور فيدخل إصبعه فيه قال ان كانت يده قذرة فليهرقه الى غير ذلك من الاخبار التي من جملتها رواية الإنائين المشتبهتين وجه الاستدلال ان الماء يخرج بالتنجس عن المالية و الا لم يكن للأمر بإراقتها وجه لعدم جواز إتلاف المال و ممن ذهب الى هذا القول صاحب المستند (رحمه الله) و لكنك خبير بما في الوجوه المذكورة اما في الأول فلان إسراء العلة المنصوصة إنما يجوز بما يليق بها و لعلة في حرمة بيع الخمر انما هي النجاسة الذاتية الغير القابلة للتطهير أصلا إلا بالخروج عن الحقيقة الأصلية مع عدم نفع مباح مقصود فيه و اين ذلك من الماء المتنجس الذي يقبل الطهارة بالاتصال بالكر أو الجاري مع وجود نفع فيه و لو مع عدم الطهارة الا ترى ان الماء الكثير المجتمع من مياه نجسة ممّا له نفع موجود مقصود كما يتفق كثيرا في بلاد العجم انه يباشر الكلب الثلج في حال ميعانه فيذوب تدريجا و يلاقي ذلك المكان النجس الى ان يجتمع من المجموع ماء كثير في غدير و شبهه ينفع في سقي الزرع و البساتين و غيرهما و مثله الحال في غيره من المياه القليلة لأنه لا ينحصر منفعة الماء في الشرب و اما في الثاني فلنظير ما مر فان العنب يعرضه حالات مختلفة فيحرم في الأوان المتأخرة لاتصافه بصفة الخمرية و قد باعه في حال الخل ممن يعلم انه يجعله خمرا و الماء ليس (كذلك) لانه متنجس قابل للتطهير و قابل للانتفاع به بدون التطهير فقياس أحدهما بالاخر قياس مع الفارق و اما في الثالث فلان الأمر بالإراقة في الاخبار كناية عن النجاسة و ليس الأمر باقيا على معناه الأصلي حتى يدل على زوال المالية عن الماء بسبب التنجس فالحق ان الماء يصحّ بيعه في حال تنجسه لان ماليته و المنفعة المقصودة به لا تتبع الطهارة بل هو قابل للتطهير كما عرفت و اما الثاني و هو ما كان من قبيل غير الماء من المائعات التي لا تقبل التطهير باقية على حقيقتها مما لا يقبل التطهير أصلا كالدهن و ان استثنى بحسب الحكم أولا يقبله الا بالخروج عن حقيقته يمزجه بالماء المطلق و صيرورته ماء (مطلقا) كالدبس و ماء الحصرم و ماء الورد و أمثال ذلك و مرادهم بالمائعات في هذا القسم أعم مما كان باقيا على ميعانه الحاصل له في حال ملاقاة النجاسة و مما حصل الجمود بعد ذلك كالدّهن و الدبس الذين انجمدا بعد ملاقاتها فعنوانهم شامل لهذا القسم (أيضا) و لهذا لم يجعلوا هذا قسما مستقلا و نحن قد أفردناه بالذكر توضيحا و كيف كان فالمشهور عدم جواز بيع هذا القسم و ممن قال بهذا القول ابن إدريس (رحمه الله) في السرائر حيث قال و كل طعام أو شراب حصل فيه شيء من الأشربة المخطورة أو شيء من المحرمات و النجاسات فان شربه و عمله و التجارة فيه و التكسب به و التصرف فيه حرام مخطور و انتهى و عن العلامة (رحمه الله) جواز بيعه و الظاهر انه مبنى على مخالفته للأكثر في الصغرى بمعنى اختياره أن المائعات المذكورة قابلة للتطهير كما حكى عنه القول بقابليتها له و حكى عنه في المنتهى ما لفظه و يطهر المضاف بإلقاء كر دفعة و ان بقي التغير ما لم يسلبه الإطلاق فيخرج عن الطهورية انتهى و في القواعد لو نجس المضاف ثم امتزج بالمطلق الكثير فغير أحد أوصافه فالمطلق على طهارته فان سلبه الإطلاق خرج عن كونه مطهر الا طاهر انتهى فيدل كلامه (رحمه الله) على ان المضاف ان مزج بالكر طهر و ان لم يخرج عن الإضافة فهو قابل للتطهير من دون صيرورته ماء (مطلقا) و صرّح بعضهم باستظهار بناء جواز البيع هنا على ذلك و حكى عن المحقق الثاني (رحمه الله) قول ثالث و هو الجواز ان قصد مزجه بالماء المطلق الى ان يصير ماء لطهارة المضاف باستهلاكه في الكثير المطلق قال بعض من تأخر ان هذا القول ان كان مبنيا على ظاهر
ما نقل عنه من تخصيص الجواز بما إذا قصد