غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٩٠ - بقي الكلام في جواز دفع ضرر السحر بالسحر
تأثيرها من بدنها الى بدن أخر اتخذ تمثال ذلك الغير و وضعه عند الحسن ليشتغل الحسن به فيتبعه الخيال عليه و أقبلت النفس الناطقة عليه فقويت التأثيرات النفسانية و التصرفات الروحانية و لذلك أجمعت الأمم على انه لا بد لمزاول هذه الأعمال من الانقطاع عن المألوفات و المشتهيات و تقليل الغذاء و الانقطاع إلى مخاطبة القلب فلما كانت هذه الأمور أتم كان ذلك التأثير أقوى فإذا اتفق ان كانت النفس مناسبة لهذا الأمر نظر الى ماهيّتها و خاصيتها عظم التأثير و السبب اللمي فيه ان النفس إذا اشتغلت بالجانب الواحد استعملت جميع قوتها في ذلك الفعل و إذا اشتغلت بالأفعال الكثيرة تفرقت قوتها و توزعت على تلك الأفعال فتصل الى كل واحد من تلك الأفعال شعبة من تلك القوة و جدول من ذلك النهر و امّا الرقى فان كانت معلومة فالأمر فيها ظاهر لان الغرض منها ان حس البصر كما شغلناه بالأمور المناسبة لذلك الغرض فحس السمع تشغله (أيضا) بالأمور المناسبة لذلك الغرض فان الحواس متى تطابقت نحو التوجه الى الغرض الواحد كان توجه النفس إليه (حينئذ) أقوى و امّا إذا كانت بألفاظ غير معلومة حصلت للنفس هناك حالة شبيهة بالحيرة و الدهشة و يحصل للنفس في أثناء ذلك انقطاع عن المحسوسات و إقبال على ذلك الفعل و جد عظيم فيقوى تأثير النفساني فيحصل الغرض و هكذا القول في الدخن قالوا فقد علم ان هذا القدر من القوة النفسانية مستقل بالتأثير فإن انضم النوع الأول من السحر و هو الاستعانة بالكواكب و تأثيراتها عظم التأثير
قوله الاستعانة بالأرواح الأرضية
قال في البحار اعلم ان القول بالجن ممّا أنكره بعض المتأخرين من الفلاسفة و المعتزلة امّا أكابر الفلاسفة فإنهم ما أنكروا القول به الا انهم سموها بالأرواح الأرضية الى ان قال ثمّ ان أصحاب الصنعة و أرباب التجربة شاهدوا ان الاتصال بهذه الأرواح الأرضية يحصل بإعمال سهلة قليلة من الرقى و الدخن و التجريد فهذا النوع هو المسمى بالعزائم و عمل تسخير الجن
قوله التخيلات و الأخذ بالعيون مثل راكب السفينة يرى نفسه ساكنا و الشط متحركا
قال في البحار هذا النوع مبنى على مقدمات احديها ان أغلاط البصر كثيرة فإن راكب السّفينة إذا نظر الى الشط راى السفينة واقفه و الشط متحركا و ذلك يدل على ان السّاكن يرى متحركا و المتحرك يرى ساكنا و القطرة نازلة يرى خطا مستقيما و الزبالة التي تدار بسرعة ترى دائرة و القبة ترى في الماء كالاجاصة و الشخص الصغير يرى في الضباب عظيما و كبحار الأرض التي تريك قرص الشمس عند طلوعها عظيما فإذا فارقته و ارتفعت صغرت و اما رؤية العظيم من البعيد صغيرا فظاهر فهذه الأشياء قد هدت العقول الى ان القوة الباصرة قد تبصر الشيء على خلاف ما هو عليه في الجملة لبعض الأسباب العارضة و ثانيتها ان القوة الباصرة انما تقف على المحسوس وقوفا تاما إذا أدركت المحسوس له في زمان له مقدار ما فامّا إذا أدركت المحسوس في زمان صغير جدا ثم أدرك بعده محسوسا أخر و هكذا فإنه يختلط البعض بالبعض و لا يتميز بعض المحسوسات عن بعض و لذلك كان الرحى إذا أخرجت من مركزها الى محيطها خطوط كثيرة بألوان مختلفة ثم استدارت فان الحس يرى لونا واحدا كأنه مركب من كل تلك الألوان و ثالثتها ان النفس إذا كانت مشغولة بشيء فربما حضر عند الحس شيء أخر فلا يشعر به الحس البتة كما انّ الإنسان عند دخوله على السّلطان قد يلقاه انسان و يتكلم معه فلا يعرفه و لا يفهم كلامه لما ان قلبه مشغول بشيء أخر و كذا الناظر في المرأة فإنه ربما قصد ان يرى قذاة في عينه فيراها و لا يرى ما هو أكبر منها ان كان بوجهه أثر أو بجبهته أو بسائر أعضائه التي تقابل المرأة و ربما قصد ان يرى سطح المرأة هل هو مستو أم لا فلا يرى شيئا ممّا في المرأة إذا عرفت هذه المقدمات سهل عندك تصور كيفية هذا النوع من السحر و ذلك لان المشعبد الحاذق يظهر عمل شيء يشغل أذهان الناظرين به و يأخذ عيونهم اليه حتى إذا استفرغهم الشغل بذلك الشيء و التحديق نحوه عمل شيء شيئا أخر بسرعة شديدة فيبقى ذلك العمل خفيا التعاون الشيئين أحدهما اشتغالهم بالأمر الأول و الثاني سرعة الإتيان بهذا العمل الثاني و (حينئذ) يظهر لهم شيء أخر غير ما انتظروه فيتعجبون منه جدا و لو انه سكت و لم يتكلم بما يصرف الخواطر الى ضد ما يريد ان يعمل و لم يتحرك النفوس و الأوهام الى غير ما يريد إخراجه لفطن الناظرون لكل ما يفعله فهذا هو المراد من قولهم ان المشعبد يأخذ العيون الى غير الجهة التي يحتال
قوله الأعمال العجيبة التي يظهر من تركيب الآلات المركبة على نسب الهندسة كرقاص يرقص و فارسان يقتتلان
و زاد في البحار قوله و كفارس على فرس في يده بوق كلما مضت ساعة من النهار ضرب البوق من غير ان يمسه أحد ثم قال و منها الصور التي تصورها الروم و أهل الهند حتى لا يفرق الناظر بينها و بين الإنسان حتى يصورونها ضاحكة و باكية و حتى يفرق فيها بين ضحك السرور و ضحك الخجل و ضحك الشامت فهذه الوجوه من لطيف أمور التخاييل و كان سحر سحرة فرعون من هذا الضرب و من هذا الباب تركيب صندوق الساعات و يندرج في هذا الباب علم جرّ الأثقال و هو ان يجر ثقلا عظيما بآلة خفيفة و هذا في الحقيقة لا ينبغي ان يعد من السحر لان لها أسبابا معلومة معينة من اطلع عليها قدر عليها الا ان الاطلاع عليها لما كان عسرا شديدا لا يصل اليه الا الفرد بعد الفرد لا جرم عد أهل الظاهر ذلك من باب السحر
قوله أو الدخن المسكرة
الظاهر انه عطف على قوله ان يجعل
قوله تعليق القلب
قال في البحار السّابع من السحر تعليق القلب و هو ان يدعى الساحر انه قد عرف الاسم الأعظم و ان الجن يطيعونه و ينقادون له في أكثر الأمور فإذا اتفق ان كان السامع ضعيف العقل قليل التميز اعتقد انه حق و تعلق قلبه بذلك و حصل في نفسه نوع من الرعب و المخافة فإذا حصل الخوف ضعفت القوى الحاسة (فحينئذ) يتمكن الساحر من ان يفعل ما شاء و ان من جرب الأمور و عرف أحوال أهل هذا العالم علم ان لتعلق القلب أثرا عظيما في تنفيذ الأعمال و إخفاء الأسرار
قوله الثامن النميمة
قال في البحار النوع الثامن من السحر السعي بالنميمة و التضريب من وجوه خفية لطيفة و ذلك شائع في الناس
قوله فأقرب أقاويل السحر الى الصواب انه بمنزلة الطبّ
الذي فهم منه (المصنف) (رحمه الله) كما يعطيه الإشارة إليه بحكمه بان خبر الاحتجاج يدل على جواز دفع السحر بالسحر هو ان أقرب ما يقال عليه السحر من أنواعه إلى الصواب هو ما كان بمنزلة الطب بان استعمل في مقام علاج المسحور و ليس المراد انه وقع الخلاف في حقيقة السحر و تشتت فيها الأقوال و ان أقربها إلى الحق انه بمنزلة الطب لعدم صحة ذلك إذ ليس السحر بقول مطلق الشامل لجميع أقسامه بمنزلة الطب بل خصوص ما استعمل في مقام دفع السحر و يدل على كون الأول هو المراد انه (عليه السلام) قسم السحر إلى أقسام ثم عقبها بالفقرة المذكورة هذا و لكن يوهن المعنى الأول ان حق التعبير عنه هو ان يقال فأقرب أقاويل السحر من الصواب ما كان بمنزلة الطب فتدبر
[المقام الثاني في حكم الأقسام المذكورة]
قوله (عليه السلام) و لبست المسوح
قال في المصباح المسح البلاس و الجمع مسوح مثل حمل و حمل
[بقي الكلام في جواز دفع ضرر السحر بالسحر]
قوله و لعلهم حملوا ما دل على الجواز مع اعتبار سنده على حالة الضرورة و انحصار سبب الحل فيه لا مجرد دفع الضرر مع إمكانه بغيره من الأدعية و التعويذات
إذ إبطال السحر رفع مسببه كما يشهد به التعبير بالحل يعني انهم حملوا ما دل على