غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٨٤ - المسألة الثامنة مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه الرشوة
و ان شئت قلت كما قال (المصنف) (رحمه الله) و هو القائل المحق ان الأجر في العرف يشمل الجعل و ان كان بينهما فرق عند المتشرعة فالمراد بالأجر و الأجرة في كلامهم انما هو المعنى العرفي هذا و لا أقل من اتحادهما حكما و صاحب المستند (رحمه الله) قد نظر الى أحد الوجهين حيث جمع بينهما في العنوان و قال المسئلة الاولى اختلف كلماتهم في جواز أخذ الأجرة و الجعل على القضاء من المتخاصمين أو أحدهما أو غيرهما إلى أخر ما قال و العجب من بعض المعاصرين أيده اللّه تعالى حيث ذكر الكلام في الأجرة وحدها و ذكر فيها أقوالا خمسة و اختار فيها جواز أخذها (مطلقا) ثم أفرد الجعل بالعنوان فقال و امّا الجعل مطلقا أو من أحدهما مع تعين القضاء عليه و كفايته و تمكنه فغير جائز قولا واحدا كما عن كشف اللثام بل عن (المبسوط) عندنا لا يجوز أخذ الجعل بحال بل عن (الخلاف) الإجماع عليه فان ثمّ و الا فلا يخلو من نظر لبعد الفرق بينه و بين الأجرة (مطلقا) أو منهما هذا كلامه و قد علم بما حررناه وجه الفرق بين الجعل و الأجرة كما علم وجه الفرق بينهما و بين الرشوة كما علم عن مطاوي الكلام ان مورد الرشوة انما هي القضية الشخصية و امّا الرّزق فقد قال في (المسالك) مفرقا بينه و بين الأجرة في مسئلة حرمة أخذ الأجرة على الأذان ما لفظه و الفرق بينهما ان الأجرة تفتقر الى تقدير العمل و العوض و ضبط المدة و الصيغة الخاصة و امّا الارتزاق فمنوط بنظر الحاكم لا يقدّر بقدر و محله من بيت المال ما أعد للمصالح من خراج الأرض و مقاسمتها و نحوهما و لا فرق في تحريم أخذ الأجرة بين كونها من معين و من أهل البلد و المحلة و بيت المال الى ان قال و امّا أخذ ما يعد للمؤذنين من أوقاف مصالح المسجد و نحوها فليس بأجرة و ان كان مقدرا و كان هو الباعث على الأذان نعم لا يثاب فاعله عليه الا مع تمحض ارادة القربة الى اللّه تعالى به انتهى و قال في باب الأذان و الإقامة نعم يجوز ان يرزق من بيت المال من سهم المصالح لا من الصدقات و لا من الأخماس لأن ذلك مختص بفريق خاص انتهى و يأتي من (المصنف) (رحمه الله) ما هو أوضح من ذلك في مسئلة أخذ الأجرة على الواجبات (إن شاء الله) (تعالى) و بما ذكرنا ظهر ما في جعل الرزق أعم من الأجرة كما فعله صاحب الرياض (رحمه الله) في توجيه ما في الحديث من قوله (عليه السلام) يأخذ على القضاء الرزق و امّا الهدّية فهي العطية المبعوث بها على سبيل الملاطفة كما في المصباح عن بعض أهل اللغة و المعاني و قال فيه أيضا أهديت الرّجل كذا بالألف بعثت به إليه إكراما فهي هديت انتهى و على هذا فلو اعطى إنسان غيره شيئا و هما مجتمعان في المجلس لم يكن ذلك الشيء يسمى هدية و الظاهر ان مراد الأصحاب هنا ما هو أعم من ذلك و لهذا فسرها (المصنف) (رحمه الله) بأنها ما يبذله على وجه الهبة ليورث المودة الموجبة للحكم له حقا كان أو بإطلاق و إذ قد عرفت ذلك فاعلم ان (الظاهر) ان (المصنف) (رحمه الله) (أيضا) بنى على ما بيناه من كون مراد من عبّر هنا بالجعل و مراد من عبّر بالأجرة معنى واحدا و يشهد بذلك انه حكى عن جامع المقاصد دعوى النص و الإجماع على حرمة الجعل (مطلقا) مع ان دعواه لهما انما هي في ذيل قول العلامة (رحمه الله) و تحرم الأجرة على الأذان و القضاء قال (رحمه الله) امّا الأذان ففي بعض الاخبار ما يقتضي تحريمه و الإجماع الى ان قال و امّا القضاء فللنصّ و الإجماع ثم ساق العبارة التي حكيناها عنه عند بيان الفرق بين الجعل و الأجرة و لا يتوهم ان استشهاد (المصنف) (رحمه الله) بدعواه النص و الإجماع انما هو باعتبار تعميمه الأجرة للجعل كما عرفت في عبارته المحكيّة لأن هناك شواهد أخر في كلام (المصنف) (رحمه الله) على ان المراد بهما معنى واحد منها انه قال في عبارته و فصل في المختلف فجوز أخذ الجعل و الأجرة فقد جمع بينهما مع ان عبارة المختلف ليس فيها الا لفظ الأجرة قال (رحمه الله) فيه على ما حكاه عنه في جامع المقاصد مصرحا بأنه لفظه ما نصه ان تعين القضاء عليه اما بتعيين الامام (عليه السلام) أو بفقد غيره أو بكونه الأفضل و كان متمكنا لم يجز الأجرة عليه و ان لم يتعين أو كان محتاجا فالأقرب
الكراهية انتهى و منها انه قال فيما سيأتي من مسئلة أخذ الأجرة على الواجبات ما لفظه فقد نقل المحقق و العلامة و غيرهما القول بجواز أخذ الأجرة على القضاء عن بعض فقد قال في (الشرائع) اما لو أخذ الجعل من المتحاكمين ففيه خلاف و كذلك العلامة (رحمه الله) في المختلف انتهى فقد ذكر في التعبير عن القول بالجواز على وجه الإجمال لفظ الأجرة و استشهد عليه بما تضمن لفظ الجعل و بالجملة فالمراد باللفظين معنى واحد و ان كانت الأجرة أعم من الجعل الا ان الظاهر ان تعبيرهم بالجعل في هذا المقام نظرا الى ما هو الواقع في الخارج من ذكر المتخاصمين عوض القضاء للقاضي على وجه ليس فيه جعل القاضي نفسه أجيرا في مدة معلومة على ما هو اللازم في الإجارة و انما يقع ذلك منهما على وجه ينطبق على الجعالة فافهم و تدبر
قوله (عليه السلام) طمعا في حطام الدنيا
الحطام كغراب ما يحطم اى يتكسر و يتفتت من عيدان الزرع و لعله استعارة لما يطمع فيه الناس تحقيرا باعتبار انه شيء قليل حقير في جنب ما يمكن تحصيله من المثوبات الأخروية
قوله أو للعاقبة
كتب (رحمه الله) في الحاشية فيكون بطلان الحق مترتبا على القضاء بغير علم و ان لم يكن مقصودا
قوله و اما اعتبار الحاجة فلظهور اختصاص أدلة المنع بصورة الاستغناء كما يظهر بالتأمل في روايتي يوسف و عمار المتقدمتين
أما رواية يوسف فإفادتها للاختصاص بصورة الاستغناء من جهة قوله فسئلهم الرشوة معطوفا على قوله (عليه السلام) احتاج الناس اليه لفقهه في قوة ان يقال فسئلهم الرشوة لفقهه و لهذا قال (المصنف) (رحمه الله) و ظاهر هذه الرواية سؤال الرشوة لبذل فقهه و التقييد بكونه لفقهه ينفى كونه لحاجته فيستفاد الاختصاص و اما رواية عمار فإفادتها للاختصاص انما هي من جهة الإضافة في أجور القضاة فإن مقتضاها ان الأجر للقاضي لكونه قاضيا لا لكونه محتاجا اليه هذا غاية ما يمكن من توجيه ما أشار الى ظهوره بالتأمل و لا يخفى أن للمناقشة فيه مجالا واسعا خصوصا الأخير
قوله ما يزيح علته
الازاحة الإزالة و العلة بالكسر المرض الشاغل أراد (عليه السلام) ازالة مرض الفقر الشاغل للقلب و ما يتبعه
قوله و للرواية توجيهات تكون الرواية على بعضها محمولة على ظاهرها من التحريم و على بعضها محمولة على المبالغة في رجحان التجنب عن قبول الهدايا من أهل الحاجة إليه لئلا يقع في الرشوة يوما
(الظاهر) انه أشار الى ان ظاهر الرواية مما لا مجال للالتزام به لأنه إذا قضى حاجة لأخيه طلبا لمرضاة اللّه أو لمجرد حسن السريرة و بعد ذلك اهدى من قضى له الحاجة الى صاحبه هدية لم يكن وجه للقول بحرمة أخذه (فحينئذ) نقول اما ان ينفى الحاجة على إطلاقها الشامل لخصوص الحاجة الى رفع الخصومة و ما هو أعم من ذلك من الحاجات التي يتوقف قضاؤها على اعمال محترمة لها اجرة في العرف و العادة و امّا ان نخصها بالأول و اما ان نخصها بالحاجات التي لم يتعارف أخذ المال عليها و على كل تقدير اما ان يراد بلفظ ثم الترتيب المعنوي بأن يكون بذل الهدية و قبولها بعد قضاء الحاجة و اما ان يراد به الترتيب في الذّكر اللفظي و يكون بذل الهدية و قبولها قبل قضاء الحاجة امّا الإطلاق الشامل للحاجات المتوقفة على الأعمال المحترمة التي لا تفعل مجانا فليس بمراد قطعا فلا بد من ان يراد أحد الأخيرين فإن قلنا بان المراد بالحاجة هو خصوص ارتفاع الخصومة و قلنا بان ثم للترتيب الذكرى لم يكن إشكال في حرمة قبول الهدية على هذا الوجه على ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) و ان قلنا بالاختصاص بذلك