غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٩ - الأوّل ان الأصل الاولى في العقود فسادها
و قد اتبعنا كلام البعض المذكور بالأسئلة المذكورة و أجوبتها تنقيحا للمقام و مع ذلك كله فلي فيما ذكره نظر أمّا أولا فلانا نمنع مما ذكره من انحصار تقسيم المكاسب الى الثلاثة باعتبار المتعلق في المعنى الّذي ذكره أ لا ترى إلى كراهة بيع الأكفان الّذي هو من قبيل ما جعلوه من أقسام ما يسرى الحكم الى الاكتساب من اعتبار المتعلق مع انه ليس في الكفن بنفسه معنى كما في الخمر يوجب الحكم المتعلق به و انما هو باعتبار تولد عنوان من الاكتساب بالمتعلق الخاص و هو تمنى موت الناس و هذا الوجه يمكن إجراؤه في الزراعة و الصّناعة الواجبة كفاية خصوصا إذا تعذر قيام الغير به و امّا ثانيا فلانه قد حكم في اتخاذ الغنم بالاستحباب مع ان ما ذكره في الزراعة يجري هناك حرفا بحرف فالحكم بالاستحباب هناك و إنكاره هيهنا تناقض بين فافهم
قوله و معنى حرمة الاكتساب حرمة النقل و الانتقال بقصد ترتب الأثر و اما حرمة أكل المال في مقابلها فهو متفرع على فساد البيع لانه مال الغير وقع في يده بلا سبب شرعي (انتهى)
اعلم ان تحريم الاكتساب بما يحرم الاكتساب به من الأعيان النجسة و غيرها محتمل لوجوه الأول ان يكون المراد به فساد العقد و عدم صحته كما هو المناسب لقول من قال بأن شأن الفقيه ليس هو البحث عن حرمة العقود بل عن صحتها و فسادها كالشهيد الثاني (رحمه الله) و ان كان هو (رحمه الله) لم يصرح بذلك و لم يلتزم به و انما التزم بان الحكم بالتحريم في هذا الباب مذكور من باب الاستطراد الثاني ان يكون المراد به حرمة مجرد العقد عليه و نفس إيقاع الصّيغة فقط الثالث ان يكون المراد به حرمة مجرد ترتيب اثر العقد بعد وقوعه حتى ان نفس العقد لا يكون محرما و انما يكون المحرم هو مجرد ترتيب آثار العقد و الملك عليه الرابع ان يكون المراد تحريم نفس العقد على من كان ملتفتا عند العقد الى تحريمه و تحريم ترتيب الآثار عليه على من لم يكن ملتفتا عند العقد الى تحريمه حكى بعض مشايخنا عن شرع القواعد للشيخ الفقيه المحقق جعفر الغروي (رحمه الله) انه ذكره احتمالا الخامس ان يكون المراد به ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) السادس ان يكون المراد به ما ذكره بعض من تأخر من حرمة نفس العقد و حرمة ترتيب الآثار جميعا بان يكون المراد حرمة الجميع و استند في ذلك الى ان المراد بالنهي عن البيع مثلا في الخطاب المتضمن له انما هو النهى عن إيقاعه على الوجه المتعارف و البيع أو مطلق العقد المتعارف بين الناس انما هو مجموع الصيغة و تسليم ماله واجد عوضه فيكون المنهي عنه هو المجموع قال و من هذا الباب نستفيد من قوله تعالى أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ اللزوم نظرا الى ان ما أحله اللّه إذا كان هو البيع على الوجه المتعارف عند الناس اعنى اللزوم كان البيع الممضى من جانبه تعالى هو البيع المفيد للزوم هذا و عندي ان المتعين من بين الوجوه المذكورة انما هو الوجه الخامس الذي ذكره (المصنف) (رحمه الله) اما عدم كون المراد هو الوجه الأول و الثالث و الرابع فلعدم مساعدة اللفظ على دلالة اللفظ عليها كما هو ظاهر عند من له أدنى تأمل و اما عدم كون المراد هو الوجه الثاني فلوضوح عدم حرمة مجرد إيقاع العقد من دون قصد ترتيب الأثر عليه و اما عدم كون المراد هو الوجه السّادس فلانه و ان كان حرمة نفس العقد و حرمة ترتيب الآثار عليه من قبيل الأمور المطابقة للواقع و نفس الأمر الا ان الكلام في دلالة اللفظ و وفاء دليله المذكور به و كلاهما ممنوع امّا الأول فلوضوح ان معنى البيع ليس عبارة عن العقد و عن ترتيب الآثار كليهما و اما الثاني فلان كون المحرم هو البيع على الوجه المتعارف و هو كونه معقبا بتسليم المبيع و أخذ الثمن و ترتيب الآثار عليه يقتضي انه لو أوقع البيع لا على الوجه المتعارف بان أوقع العقد على شيء من الأعيان التي يحرم الاكتساب بها بقصد ترتيب الأثر ثم بدا له فلم يسلم المبيع و لم يؤخذ الثمن لم يكن فعل حراما لانه لم يوقعه على الوجه المتعارف الّذي هو تعقيبه بترتيب الآثار و هو باطل قطعا و قد اعترف من ذكر الوجه السّادس بحرمة المفروض لكنه استند الى ان المحرم إذا كان هو المجموع فنفس العقد وحده جزء منه فيكون حراما لحرمة الكل و يدفعه ان الجزء لو كان خارجيا كان الإتيان به بقصد ترتيب سائر الاجزاء عليه محرما بخلاف ما إذا كان جزء عقليا كالقيد و المقيد الّذي منه ما نحن فيه فان كون العقد واقعا على الوجه المتعارف قيد له في الخطاب و بانتفاء القيد لا يعلم بقاء الحكم المتعلق بالمقيد بل من الظاهر انتفاؤه (حينئذ) فلا يدل الخطاب على حرمة البيع وحده إذا لم يتعقبه ترتيب الآثار نعم لو قيل ان معنى تحريم البيع هو تحريم العقد و ترتيب الأثر جميعا بمعنى كون كليهما حراما على ان يكون كل منهما مناطا للحكم صح ما ذكره من الحكم لكنه يصير أمر مخالفا لما سلكه من طريق الاستدلال و يبقى الكلام في دلالة لفظ فتواهم من قولهم يحرم البيع على ذلك و من التأمل فيما ذكرنا يعلم الفرق بين الاستدلال بقوله تعالى أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ على اللزوم و بين جعل ما نحن فيه و الا على تحريم نفس العقد و تحريم ترتيب الأثر عليه لوفاء إحلال البيع على الوجه المتعارف بإفادة اللزوم بخلاف تحريم البيع بالنسبة إلى الأمرين فإن جعل البيع عبارة عن المتعارف غير واف بدلالة تحريم البيع على الأمرين من تحريم نفس العقد و تحريم ترتيب الأثر عليه فتحصل مما ذكرنا ان
المتجه إرادته انما هو ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) من كون المحرم هو النقل بقصد ترتيب الأثر و ترتيب الآثار (أيضا) و ان كان حراما لا انه من لوازم فساد البيع و غير مقصود بهذا اللفظ تضمنا نعم هو مدلول عليه التزاما كما ان اللزوم مدلول عليه التزاما بإحلال البيع على الوجه المتعارف بل لنا ان نمنع الدلالة الالتزامية على تحريم ترتيب الأثر و نقول انه ممّا علم من القواعد الشرعية كما أشار إليه (المصنف) (رحمه الله) فتدبر
قوله لان ظاهر أدلة تحريم بيع مثل الخمر منصرف الى ما لو أراد ترتيب الآثار المحرمة
هذا تعليل لاعتبار القيد الأخير في تفسير حرمة الاكتساب اعنى قوله بقصد ترتيب الأثر
[فالاكتساب المحرم أنواع]
قوله فالاكتساب المحرم أنواع
ينبغي هيهنا تقديم أمور تفيد بصيرة في المبحث
بل تكون من قبيل المبنى لبعض ما يتفرع عليه
الأوّل ان الأصل الاولى في العقود فسادها
بمعنى عدم ترتب الأثر عليها و اباحة مباشرتها سواء بقي الأصل الاولى في الفساد على حاله أم دل الدليل في شيء من المقامات أو على وجه العموم على ارتفاع مقتضى الأصل الاولى لكن مقتضى الأصل الثانوي المستفاد من الكتاب و السنة فيها هي الصحّة ما لم يتعلق بشيء منها نهى حكم بفساده للإجماع محصلا و منقولا و دلالة النهي في مثل لا تبع الخمر مثلا على الفساد لا بالدلالة الالتزامية لعدم استلزام نفس الحرمة بمجردها للفساد بل من جهة كون النهي للإرشاد إلى الفساد أو كونه للتحريم و لكن بحيث يكون منشأ التحريم هو الفساد بان يكون مباشرة العقد الفاسد حراما مبغوضا عند الشارع و الفرق بين هذين انه على تقدير كونه للإرشاد إلى الفساد لا يدل على حرمة نفس العقد نعم يصير المتصرف في العوض حراما من جهة حرمة التصرف في مال الغير و اما على تقدير كونه للتحريم فيدل على حرمة نفس مباشرة العقد و ان كان منشأ حرمته عند الشارع هو فساده و قد يستدل للفساد بقوله (عليه السلام) ان اللّه إذا حرّم شيئا حرّم ثمنه نظرا الى دلالته على قاعدة كلية هي بطلان بيع المحرم بذكر لازمه و هو حرمة ثمنه لانه مع البطلان يصير الثمن مال الغير فيحرم التصرف فيه و أورد عليه بعض من تأخر بان سند الرواية ضعيف مضافا الى ما في متنه من الإجمال لأن المراد بقوله (عليه السلام) حرم شيئا اما ان يكون تحريمه في الجملة بمعنى القضية المهلة التي هي في قوة الجزئية فيكون المراد تحريمه و لو في مورد الخصوصية لاحقة له في ذلك المورد و اما ان يكون تحريمه كلية بمعنى تحريم جميع الانتفاعات و الأفعال المتعلقة نظرا الى ان تحريم العين من حيث هي عين لا معنى له و اما ان يكون تحريم الخواص الظاهرة له و على هذا