غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٥٤ - المسألة الثانية جوائز السلطان و عماله و صور المسألة
صاحبه وجب الفحص مع الإمكان (إلخ)
قال في السرائر بعد الحكم بوجوب رد الجوائز إلى أربابها إن عرفهم ما لفظه فان لم يعرفهم عرف ذلك المال و اجتهد في طلبهم انتهى
قوله ثم لو ادعاه مدع ففي سماع قول من يدعيه (مطلقا) لانه لا معارض له أو مع الوصف تنزيلا له منزلة اللقظة أو يعتبر الثبوت شرعا للأصل وجوه
قال بعض مشايخنا ان هذا المقام ليس من قبيل الدعوى التي لا معارض لها لثبوت اشتغال الذمة المحتاج فيه الى تحصيل المبرء و مجرد دعوى المدعى لا يصلح للإبراء و في الجواهر في كتاب القضاء من ادعى ما لا يد لأحد عليه قضى له به من دون بينة و يمين بلا خلاف أجده فيه بل يمكن تحصيل الإجماع عليه لأصالة صحة قول المسلم و فعله بل كل مدّع و لا معارض له و من باب ان يكون كيس مثلا بين جماعة فيسئلون هل هو لكم فيقولون لا و يقول واحد منهم هو لي فإنه يقضى به ثم ذكر صحيحة منصور بن حازم و جملة مما لا يهمنا ذكره ثم قال هذا كله مع عدم اليد اما معها و لو يد غير ملك باعتراف صاحبها فقد يشكل إلزامه بدفعه اليه بمجرد دعواه ضرورة تحقق الخطأ معها بإبصاله الى مالكه الواقعي و مجرد الدعوى ليس طريقا للفراغ عن الشغل كما ستعرف (إن شاء الله) (تعالى) في كتاب اللقطة انتهى فلا وجه لاحتمال قبول قول من يدعيه (مطلقا) استنادا الى عدم المعارض كما انه لا وجه لاحتمال الاكتفاء بوصف المدعى تنزيلا له منزلة اللقطة لأن الاكتفاء بالوصف انّما ثبت على خلاف الأصل بدليل تعبدي مخصوص بها فلا مساغ للتعدي من مورده الى غيره لانه قياس لا نقول به فلا بد من الثبوت شرعا بقيام البيّنة و هذا هو الحق الذي لا محيص عنه
قوله و يحتمل غير بعيد عدم وجوب الفحص لإطلاق غير واحد من الاخبار
اعلم انّه لا بدّ من دعوى الفرق بين العين و الدين بثبوت اشتغال الذمة بالثاني فلا بد من تحقيق المبرئ بخلاف الأول فإن التكليف بالفحص عنه غير معلوم و مقتضى الأصل هو البراءة و تحقيق المقام ان مثل قوله (تعالى) إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا مما يعطى وجوب أدائها و مقتضى الأصول اللفظية لو شك في اشتراط الوجوب بالعلم بصاحبها هو الإطلاق حتى يثبت الاشتراط فيصير الأداء واجبا مطلقا فتجب مقدمة الّا انه وارد في مقام بيان حكم أخر غير الإطلاق أعني مجرد التشريع على وجه الإهمال كما في قوله (تعالى) أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ و لا تعرض فيه لبيان الكيفيّات الا ان الرواية التي يشير إليها (المصنف) (رحمه الله) عن قريب بقوله و ببعض الأخبار الواردة في حكم ما في يد بعض عمال بنى أميّة الشامل بإطلاقها لما نحن فيه من جوائز بنى أميّة حيث قال (عليه السلام) له اخرج من جميع ما اكسبت في ديوانهم فمن عرفت منهم رددت عليه ماله و من لم تعرف تصدقت و هي رواية أبي حمزة عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قد وددت في مقام البيان و محلّ الحاجة و لم يذكر الفحص عند امره بالتصدق و لو كان واجبا كان من الواجب ذكره و بيانه و مثلها غيرها فيكون إطلاق الرّواية المذكورة و نحوها من جهة ورودها في مقام البيان أو الحاجة لحكم الآية و أمثالها الواردة في مقام مجرد التشريع فالأقوى عدم وجوب مبيّنة الفحص كما هو مقتضى الأصل لو فقد الدليل أو كان معارضا بمثله و على هذا فالحكم هو وجوب التصدق كما نطق به الرواية المذكورة و لا يشترط الفحص و كلام جماعة من فقهائنا (رضي الله عنه) منهم المحقق (رحمه الله) خال عن اشتراط الفحص و دعوى احالة ذلك على وضوحه كما ادعاه بعض مشايخنا ممّا لا شاهد عليه و لا يجدى مثل ذلك في نسبة الفتوى إليهم و قد ذكرت ما عرفته من تقريب الاستدلال بالرّواية لذلك البعض فقال ان أمر الأم (عليه السلام) بالتصدق في الخبر المذكور مما لا دخل له بالمقام لان ما وقع بيد السائل انما كان من مال الامام (عليه السلام) من جهة ان بنى أميّة كانوا قد غصبوا حقوقهم (عليه السلام) و كان ما يستوفونه يعود إليهم (عليه السلام) بطريق الملك و أنت خبير بما فيه لان من المعلوم ان من يصير في الديوان ينال المال من السّلطان و من غيره ممن يحتاج إليه فالأول هو الجائزة و الثاني غيرها من أموال الناس و معلوم ان ما أخذه من غير السّلطان لا يصير مال الامام (عليه السلام) بل يبقى على ملك مالكه و لو بنينا على ذلك انسحب الحكم في جميع الدول في جميع الأزمنة فيصير المال للإمام (عليه السلام) و مع استتاره يكون لمن يقوم مقامه من الحاكم الشرعي فأين حكم الجائزة بل كان اللازم ردها الى الحاكم عند عدم العلم بصاحبها مع العلم بحرمتها بعينها مضافا الى ان حكم الجائزة على التفصيل الذي ذكروه من إباحتها ان لم تعلم حراما بعينها و حرمتها ان علم حرمتها بعينها و كون الحكم (حينئذ) هو الرد الى المالك مع معرفته و التّصدق بها مع عدم معرفته قد كان ثابتا للجوائز التي كانت تجري في أزمانهم (عليه السلام) من أهل الدول الباطلة و قد علم مما بيناه ان دلالة الخبر على حكم الجائزة انّما هي بإطلاق قول السّائل فأصبت من دنياهم مالا كثير الشامل للقسمين و من عموم قوله (عليه السلام) اخرج من جميع ما اكتسبت في ديوانهم و لا يتوهم ان هذا شامل لما لم يعلم حرمته من الجوائز لأن قول السّائل و أغمضت في مطالبه يدلّ على ان ما اصابه لم يكن مباحا خصوصا بعد قوله (عليه السلام) فمن عرفت منهم رددت عليه ماله و من لم تعرف تصدقت به فان ذلك يدل على ان كون المال للناس كان مسلما عند السّائل و المسئول و جهل السّائل انما كان بتعيين المالك فتدبر ثم ان فقهائنا (رضي الله عنه) ذكروا انّه ان جهل المالك أو تعذر الوصول اليه تصدق بها عنه و جواز التصدق بها انّما هو بعد الياس عن الوصول الى المالك أو وارثه و المراد بالجهل انّما هو الجهل الصرف الذي لا يشوبه العلم للمنجز للتكليف و لو أحمالا فلو علم به في محصورين لم يدخل فيما حكم عليه بالحكم المذكور و قد أشار إليه ما ذكرناه المحقق الثاني (رحمه الله) في شرح عبارة القواعد قال (رحمه الله) ينبغي ان يكون ذلك بعد الياس من الوصول اليه و الى وارثه بعد موته و هذا إذ لم يلتبس بجماعة محصورين
فإنه يوقف حتى يصطلحوا انتهى و توضيح الحال يتم ببيان أمرين الأول ان مورد جواز التصدق انما هو ما لو حصل الياس من الوصول الى المالك أو وارثه على تقدير موته و امّا بدونه بان كان له رجاء الوصول فلا يجوز التصدق بل يجب التربص الى ان يحصل له المعرفة به أو اليأس عنها لما دلّ على حرمة التصرف في مال الغير بدون اذن منه و لا من الشارع و هو واضح الثاني ان المراد بالجهل ما قابل العلم المنجز للتكليف الذي هو العلم التفصيلي و الإجمالي في محصور فان عرفه في محصور فالمحكي عن كثير منهم وجوب التخلص منهم بصلح و نحوه و لو بان يخليها بين أيديهم جميعا كسائر الأموال المرددة فيما بين جماعة محصورة و قد يحتمل التصدّق بها عنهم لإطلاق قول الصّادق (عليه السلام) فمن عرفت منهم رددت عليه ماله و من لم تعرف تصدقت له ان قلنا بصدق الجهالة و عدم المعرفة على ذلك لغة و عرفا و لكن لم يعرف بهذا الاحتمال قابل و ان كان قد يدعى ان إطلاق عبارة المحقق (رحمه الله) في (الشرائع) شامل له فتأمل
قوله ثم ان الفحص لا يتقيد بالسنة على ما ذكره الأكثر هنا
يعني انهم ذكروا عدم التقييد بها لا يخفى انه يجرى على القول بوجوب الفحص في تحديده بالبأس (مطلقا) أو بالحول (مطلقا) أو بأبعدهما أو بأقربهما وجوه مقتضى