غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٠٠ - المسألة الثالثة عشر مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه الغناء
ذكرها فعلم من هذه الكلمات ان المشهور بين القائلين بكون الغناء عنوانا خاصا هو كونه عبارة عما اشتمل على مد الصّوت و على الترجيع و الاطراب بل ادعى عليه الإجماع و هناك أقوال أخر ذكرها صاحب المستند (رحمه الله) بقوله ان كلمات العلماء من اللغويين و الأدباء و الفقهاء مختلفة في تفسير الغناء ففسره بعضهم بالصوت المطرب و أخر بالصّوت المشتمل على الترجيع و ثالث بالصوت المشتمل على الترجيع و الاطراب معا و رابع بالترجيع و خامس بالتطريب و سادس بالترجيع مع التطريب و سابع برفع الصّوت مع الترجيع و ثامن بمد الصّوت و تاسع بمده مع أحد الوصفين أو كليهما و عاشر بتحسين الصّوت و حادي عشر بمد الصّوت و موالاته و ثاني عشر و هو الغزّالي بالصوت الموزون المفهم المحرك للقلب انتهى و ظاهر كلام كلّ من أرباب الأقوال انه يريد بيان تمام حقيقته و معناه خصوصا الفقهاء فإنه لا يحتمل في حقهم مجرّد التعريف اللفظي الّذي يكتفى فيه ما هو أعم لأن الاكتفاء بذلك في مقام تحديد الموضوع الشرعي مسامحة يمنعهم عنها دقتهم في البحث عن الأحكام الشرعية و موضوعاتها و لكن لا دليل على تعيين شيء منها كما لا دليل يفيد العلم إجمالا بأن الحق واحد منها و لقد أجاد صاحب المستند (رحمه الله) حيث قال بعد ذكر الأقوال المذكورة و لا دليل تاما على تعيين أحد هذه المعاني أصلا نعم يكون القدر المتيقن من الجميع المتفق عليه في الصدق و هو مد الصّوت المشتمل على الترجيع المطرب الأعم من السّار و المحزن المفهم لمعنى غناء قطعا عند جميع أرباب هذه الأقوال فلو لم يكن هنا قول أخر يكون هذا القدر المتفق عليه غناء قطعا هذا كلامه (رحمه الله) و الحاصل ان التعاريف المذكورة ان كانت تعاريف لفظية اكتفى فيها بالأعم فلا يحصل من شيء منها تمييز المعنى على وجه التحقيق بحيث لا يبقى شبهة كما هو اللازم في الموضوعات الشرعية و ان كان كل منها في مقام التعريف و التمييز على وجه التحقيق فهي متعارضة و لا دليل على تعيين شيء منها و (حينئذ) فاللازم على تقدير اختيار هذا المسلك هو الأخذ بالقدر المتيقن و الحكم بحرمته و الإجماع الذي ادعاه المحقق الأردبيلي (رحمه الله) عن حرمته انّما هو من هذا الباب اعنى كونه متيقن الإرادة من لفظ الموضوع و متيقن الحكم عليه بالحرمة ثم يبنى في غيره من الأصناف (أيضا) على الحرمة ان بقي علم إجمالي بأن فيها ما هو غناء محرّم لكون الشبهة حكمية ناشئة عن عدم العلم بالموضوع الكلي الذي لا يعلم الخروج عن عهدة التكليف مع العلم بان فيما أقدم عليه من الأصناف ما هو من قبيل الموضوع الكلي الذي تحقق التكليف بالاجتناب عنه و لا يحصل يقين البراءة الا بالاجتناب عن جميع المحتملات نعم لو ارتفع العلم الإجمالي بأن فيما بقي ما هو من قبيل الغناء أو المنهي عنه كان البناء على البراءة و ثالثها ما سلكه (المصنف) (رحمه الله) و بيّنه في هذه العبارة و في قوله فيما سيأتي و كيف كان فالمحصل من الأدلّة المتقدمة حرمة الصّوت المرجع فيه على سبيل اللهو ثمّ ان بعض مشايخنا بعد ان اخبار المسلك الأول أعني الرجوع الى العرف و قال ان القدر المتيقن مما يحكم العرف بكونه غناء هو مد الصوت المرجع فيه المطرب بمعنى ان من شأنه الاطراب و كونه مقتضيا له لو لم يمنع عنه مانع من جهة قبح الصّوت أو غيره مع كونه اللهو فمن ينادى من هو بعيد عنه كما في الصحاري و الجبال لاعلامه بمدّ صوته و قد يشتمل على ترجيع و طرب بالمعنى الّذي ذكر لكن لا يعد غناء عرفا أورد على (المصنف) (رحمه الله) بوجه الأول ان جعل المعيار هو اللهو و الالتزام بأنه المحكوم عليه بالحرمة فإن كان الغناء مساويا له فهو و ان كان أخص لزم التعميم في الحكم بالتحريم بقدر صدق اللهو و ان كان أعم لزم قصر الحكم على ما هو لهو منه لا يلائم جعل الغناء بنفسه موضوعا و عنوانا في كلمات الأصحاب قديما و حديثا بحيث لم ينبه أحد على خلافه في كلمات أهل العصمة (سلام اللّه عليهم) الا ترى إلى رواية الشّحام عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) انه قال الغناء عشّ النفاق و خبر نصر عنه (عليه السلام) انه قال المغنية ملعونة ملعون من أكل كسبها و المرسل ان أجر المغني و المغنية سحت و المرسل عنه (عليه السلام) عن الغناء فقال لا تدخلوا بيوتا اللّه تعالى معرض عن أهلها و خبر عنبسة عنه (عليه السلام) انه قال استماع الغناء و اللهو ينبت النفاق في القلب
كما ينبت الماء الزرع و خبر الشحام عنه (عليه السلام) (أيضا) انه قال بيت الغناء لا يؤمن فيه الفجيعة و لا تجاب فيه الدعوة و لا يدخله الملك و عن المقنع عنه (عليه السلام) ان شرّ الأصوات الغناء و عن الخصال مسندا اليه (عليه السلام) انه قال الغناء يورث النفاق و يعقب الفقر و رواية يونس قال قلت للخراساني (عليه السلام) (انتهى) و غير ذلك من الاخبار الثاني انه لم يرد في الاخبار تفسير الغناء باللهو و انما ورد تفسير اللهو و قول الزور بالغنا و المدار في الفهم انما هو على المفسر بالكسر لا على المفسر بالفتح و إذا كان الغناء الذي هو المفسر بالكسر مجملا صار اللهو المفسر بالغناء (أيضا) مجملا لان المفسر بالكسر يصير مبيّنا للمفسر بالفتح دون العكس فإذا صار المفسر مجملا سرى إجماله إلى المفسر بالفتح ففي رواية زيد الشحام قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قوله عز و جل وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ قال قول الزور الغناء و رواية الوشاء يقول سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن الغناء فقال هو قول اللّه عز و جلّ وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ الثالث انه بعد الإغماض عن جهة التفسير ليس كل لهو في الشريعة محرما بل منه ما هو محرم و منه ما هو غير محرم كالاشتغال بالعدد و المسابقة به و الإنس في المجالس و الضحك و المشاعرة و أمثال ذلك و (حينئذ) نقول ان نفس لفظ اللهو مما هو من قبيل المجمل فلا يحصل به المقصود أقول الذي أراه ان (المصنف) (رحمه الله) كشف اللّه عن قلبه الغطاء عند تأمله في هذه الاخبار فنال ما هو مقصد أهل العصمة (سلام اللّه عليهم) و انه ليس الغناء الا الصوت المرجع فيه الملهى ففي رواية ابن سنان عن الصادق (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) انه قال أقروا القران بألحان العرب و أصواتها و إياكم و لحون أهل الفسوق و أهل الكبائر فإنه سيجيء بعدي أقوام يرجعون القران ترجيع الغناء و النوح و الرهبانية لا يجوز تراقيهم قلوبهم مقلوبة و قلوب من يعجبه شأنهم فقد استفيد اعتبار الترجيع في الغناء من قوله (عليه السلام) يرجعون القران ترجيع الغناء و استفيد من تفريع قوله (عليه السلام) فإنه سيجيء أقوام يرجعون القران ترجيع الغناء على التحذير من لحون أهل الفسوق و أهل الكبائر ان الغناء عبارة عن الصوت المرجع فيه الذي هو من لحون أهل الفسوق و الكبائر و ليس مراده (رحمه الله) الا هذا فإن الملهى ليس الا ما يصد عن ذكر اللّه و الصوت الذي يصد عن ذكره (تعالى) مطابق للصوت الذي هو من لحون أهل الفسوق و في رواية محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال سمعته يقول الغناء مما وعد اللّه عليه النار و تلا هذه الآية وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ يَتَّخِذَهٰا هُزُواً أُولٰئِكَ لَهُمْ عَذٰابٌ مُهِينٌ و معلوم ان مراده (عليه السلام) ان إيعاد اللّه تعالى عليه النار ليس الا بهذه الآية و لا يتم الا بان يصدق على كلّ فرد من افراد الغناء انه لو الحديث حتى يندرج تحته فيشمله الإيعاد المرتب عليه و الا لم يكن مما وعد اللّه عليه النار بقول مطلق فيصير تلاوة الآية عقيب قوله (عليه السلام) الغناء ممّا وعد اللّه عليه النار في قوة قوله كل غناء لهو الحديث و ينعكس بعكس النقيض الى ان كل ما ليس بلهو الحديث ليس بغناء و به يثبت المطلوب و اضافة اللهو الى الحديث يخرج سائر أفراد اللهو فلا يرد النقض بما هو من قبيل الأفعال محرمة كانت أو مباحة و انفصال الغناء عن سائر ما يندرج في مفهوم لهو الحديث كالقصص و الحكايات المجعولة المكذوبة واضح لانه قد علم من مفهوم الغناء و لو إجمالا معنى و هو كونه كلما يتغنى به و هو غير موجود في سائر أفراد مفهومه فهذا الحديث (أيضا) واف بالمطلوب خصوصا بعد انضمامه الى ما قبله و هو رواية ابن سنان و بعد ذلك نقول