غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٠١ - المسألة الثالثة عشر مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه الغناء
ان الموضوع الّذي حكم عليه بحكم في شيء من خطابات الشارع ان علم حقيقته من بيانه كان مقدما على سائر طرق المعرفة به قطعا و هو واضح و من هنا يعلم سقوط الإيراد الأول الّذي محصّله ان جعل الغناء بنفسه موضوعا ينافي جعل المعيار هو اللهو وجه السقوط ان (المصنف) (رحمه الله) لا يمنع من كون الغناء بنفسه موضوعا بل هو ملتزم به غاية ما في الباب انه يقول ان مناط الحكم بالحرمة في الغناء انما هو كونه لهو الحديث و باطلا من القول و هذا المناط مطابق للغناء و عينه فيكون تفسير الموضوع قد استفيد من بيان الشارع و ما ذكره من الأعميّة و الأخصيّة فإنما هو على سبيل الفرض كما صرّح به بل قد صرّح بكون الفرض غير محقق في الخارج و صرّح بان الغناء مساو للصوت اللهوي و الباطل فتدبر و امّا ما أورده ثانيا من حكاية تفسير الغناء باللهو بقول الزور ففيه ان تفسير الغناء باللهو لم يرد في خبر واحد فكيف بما زاد على ذلك فراجع الوسائل تجد ان اخبار اللهو على قسمين أحدهما مثل ما روى عن أبي جعفر (عليه السلام) و ابى عبد اللّه (عليه السلام) و ابى الحسن الرّضا (عليه السلام) في قول اللّه عز و جلّ وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ يَتَّخِذَهٰا هُزُواً أُولٰئِكَ لَهُمْ عَذٰابٌ مُهِينٌ انهم قالوا منه الغناء و ثانيهما مثل رواية مهران بن محمّد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سمعته يقول الغناء ممّا قال اللّه عز و جلّ وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ و معلوم ان شيئا من القسمين ليس من قبيل التفسير و اما رواية الوشاء السابقة فهي من هذا القبيل لان المراد بقوله (عليه السلام) هو قول اللّه عز و جلّ ليس الا انه مقصود بقول اللّه و هو أعم من كونه مقصودا على وجه التفسير و كونه مقصودا على جهة الانطباق و اما قول الزور فإنه و ان ورد فيه جملة من الاخبار ناطقة بأنّ قول الزور الغناء و ظاهره الحمل و التفسير الا انه ورد في رواية جماد بن عثمان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) انه قال سئلته عن قول الزور قال منه قول الرّجل للذي يغني أحسنت فتصير قرينة على ان حمل الغناء عليه انما هو باعتبار الصّدق في الجملة و اما ما أورده ثالثا من ان جميع افراد اللهو ليس محرما في الشرع فإذا أحيل حرمة الغناء الى صدق اللهو فيصير مجملا ففيه ان مفهوم اللهو بنفسه ليس مجملا و انّما هو ما يصدّ عن ذكر اللّه و انقسامه الى قسمين لا يضر لان من المعلوم ان الغناء من قبيل المحرم فبمجرد اندراجه تحت لهو الحديث و كونه من مصاديقه لا يتصف إلا بالحرمة مضافا الى انه (رحمه الله) ذكر اللهو و الغناء معيارا و هو قياسه بآلات اللهو و الحاصل ان ما ذكره (رحمه الله) مما ليس عليه غبار و ان أبيت عن ذلك فلا مناص من الالتزام بالمسلك الثاني و أخذ القدر المتيقن منه و الرجوع فيما عداه إلى أصل البراءة أو الاشتغال على ما يقتضيه الحال و اما مسلك الرجوع الى العرف فلا يفضى هنا سالكه الى المطلوب البتة لعدم انضباطه و عدم تحصيل عنوان صحيح منه كما انه لا يحصل من كلام أهل اللغة و الفقهاء أمر مضبوط لكمال اختلافهم و عدم انتظام مقالاتهم و عدم انطباقها على دعوى واحدة
قوله و ان اختلف فيه عبارات الفقهاء و اللغويين فعن المصباح ان الغناء الصوت و عن أخر انه مد الصّوت
(انتهى) اعلم انه يستفاد من بعض التفاسير ان الغناء عبارة عن نفس الصوت كعبارة المصباح و كقول صاحب (البرقي) الغناء (كذلك) من الصوت ما طرب به و كذا ما عن السرائر و الإيضاح من انه الصوت المطرب و من بعضها أنه كيفية عارضة للصّوت مثل ما عن (القواعد) في كتاب الشهادات و بعض كتب اللغة من انه ترجيع الصّوت و مدّه و ما عن الشافعي من انه تحسين الصوت و ترقيقه و قد يكون لهذا الاختلاف اثر فإنه على تقدير اختيار كونه هيئة عارضة للصوت يمكن دفع حجة من قال بجواز الغناء في القرآن و مرثية سيّد الشهداء (عليه السلام) استنادا الى ان الغناء عبارة عن القول الباطل و شيء منهما لا يصدق عليه القول الباطل فيقال فيدفعها ان الغناء ليس هو نفس الصوت و انّما هو كيفية عارضة له فلا منافاة بين كون أصل الشيء حسنا و بين كون وصفه قبيحا هذا و بعد قطع النظر عن الاختلاف من هذه الجهة قد عرفت انهم اختلفوا في تعيين المسمى على أقوال كثيرة و خلافهم ذلك لو كان اختلافا حقيقيّا كان اللازم عند عدم إمكان الترجيح ان يلاحظ التفاسير فان كانت النسبة بينها هي العموم من وجه حكم بالتباين و ان كانت النسبة بينها هي العموم و الخصوص (مطلقا) أخذ بما هو الأعم بان يبنى على كونه هو الموضوع له لأوّل كلام المفسر بالأعم إلى قوله أدرى بوضعه لما زاد على الأخص و أول كلام المفسر بالأخص الى انى لا أدرى بوضعه لما زاد على الأخص و ان كانت النسبة هي العموم من وجه كما في الطرب و الترجيع أخذ بما هو الجامع بين النقلين (فيقال) انه موضوع لما اشتمل على أحد الوصفين ثم بعد الحكم بالاشتراك ان حصل هناك قدر متيقن من بين الافراد حكمت بثبوت حكم الحرمة له و حكمت فيما عداه بالرجوع إلى أصل الإباحة ان كنت ممن يرى الرجوع اليه و الى أصل الاحتياط ان كنت ممن يراه هذا كله بالنسبة إلى الشبهة الحكمية و اما بالنسبة إلى الشبهة الموضوعية فمقتضى الأصل هو البراءة و لكن الخلاف المذكور ليس حقيقيا بمعنى كون المحكوم عليه بالحرمة عندهم شيء واحد قد وقع الاختلاف في التعبير عنه و فيما يعرفه و يوصل اليه ثم ان بعض من تأخر نسب الى صاحب المجمع انه ذكر ان للغناء معنيين أحدهما مد الصوت المشتمل على الترجيع و الثاني ما يسمى عليه في العرف غناء و أورد عليه بأنه قد اختلط عليه الأمر و ذكر ان منشأ ذلك ان الشهيد الثاني (رحمه الله) قال في الروضة الغناء بالمد و هو مد الصوت المشتمل على الترجيع المطرب أو ما يسمى في العرف غناء و ان لم يطرب (انتهى) و استظهر ان ليس مراد الشهيد الثاني (رحمه الله) دعوى إثبات معنيين بل مراده الإحالة على العرف لكن لما كان من الصوت الذي يسمى غناء عرفا ما هو معلوم متيقن من بين افراده بيّنه بقوله و هو مد الصوت المشتمل على الترجيع المطرب و لما كان من غير المطرب ما يسمى غناء (أيضا) لكن لا معيار له عنده فلا جرم احاله على العرف فالحاصل ان الغناء عنده ليس مما له معنيان أحدهما ما يسمى في العرف غناء كما زعمه صاحب المجمع ضرورة ان ليس للغناء الا معنى واحد اختلفوا في التعبير عنه أقول لا يخفى بعد التفسير المذكور من اللفظ و عندي ان مراده الإشارة إلى القولين في معنى الغناء كما هو دأب صاحب القاموس عند بيان اختلاف القولين من التعبير بلفظ أو فكأنه قال هو مد الصوت المشتمل على الترجيع المطرب كما يراه جماعة أو ما يسمى في العرف غناء و ان لم يطرب كما يراه بعضهم و الذي هداه الى التفسير المذكور هو تخيل ان الشهيد الثاني (رحمه الله) يريد بيان ما هو المختار عنده و يؤيد ما ذكرناه انه قال في (المسالك) الغناء بالمد مد الصوت المشتمل على الترجيع المطرب فلا يحرم بدون الوصفين اعنى الترجيع مع الاطراب و ان وجد أحدهما كذا عرفه جماعة من الأصحاب ورده بعضهم الى العرف فما سمى فيه غناء يحرم و ان لم يطرب و هو حسن انتهى
قوله و الأحسن من الكل ما تقدم من الصحاح
أراد (رحمه الله) بقوله ما تقدم من الصحاح تفسير الغناء بالسّماع فإنه لم يتقدم غيره بل قد راجعت الصحاح فليس فيها في مادة (غ ن ي) إلا قوله و الغناء بالكسر من السماع و في مادة (س م ع) الا قوله المسمعة المغنية و يشهد بكون المراد ذلك ما سيذكره (رحمه الله) من قوله و لقد أجاد في الصحاح حيث فسر الغناء بالسماع و هو المعروف عند أهل العرف
قوله و هذا القيد هو المدخل للصوت في افراد اللهو
أراد بالقيد الخفة المقرونة بالسرور أو الهم كما عن الأساس و بشدتهما كما عن الصحاح كما لا يخفى على من له خبرة بأساليب الكلام
قوله و لعل هذا (أيضا) دعى صاحب