غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢١ - المسألة الخامسة يحرم المعاوضة على الميتة و اجزائها التي تحلها الحياة من ذي النفس السّائلة
عن اشكال
قد ذكر بعض من تأخر لاحتمال جواز البيع في كلامهما وجوها الأصل و العمومات و خبر الصيقل و ما بمعناه من الخبر الأخر و ان ما دل على المنع من بيع النجس نصا و إجماعا ظاهر في كون المانع منه انما هو حرمة الانتفاع به لا مجرد النجاسة أو مجرد كونه ميتة مثلا و لهذا أطبقوا على جواز بيع الكافر و كلب الصّيد معلّلين بحل الانتفاع به و ان النجاسة غير مانعة منه و قد أخذ هذا الوجه الأخير من كلام (المصنف) (رحمه الله) الّذي ذكره في ذيل قوله و الإنصاف ثم ان ذلك البعض أورد على ما ذكره بان الجميع كالاجتهاد في مقابلة النص و الإجماع و ان الرواية مع شذوذها كما في الرياض و غيرها و مع قرب حملها على التقية كما يومي اليه كونها من قبيل المكاتبة قاصرة سندا و دلالة فلا بأس بطرحها و نسج على منواله بعض المعاصرين ثم أيد ما ذكره بان التدبر في كلامهم قد يفيد القطع بكون النجاسة بنفسها من الموانع و لا يلتفت الى ما قد يوهم خلاف ذلك من بعض عبارات الخلاف و الغنية و نحوهما مما هو في مقابلة العامة و المجاراة معهم أو لبنائهم على حرمة الانتفاع بالنجس (مطلقا) فيكون داخلا فيما لا ينتفع به و ان كان في نفسه مانعا لو فرض جواز الانتفاع به الا انه غير ثابت عندهم فلم يتعرضوا له فلاحظ و تأمل انتهى و أنت خبير بأنه لم يأت في مقابلة كلام (المصنف) (رحمه الله) بما يتجه مقابلته به لان مجرد دعوى القطع مما لا يتم في مقابل ما ذكره و وجه الحاكي عنه
قوله و يمكن ان يقال ان مورد السؤال عمل السيوف و بيعها و شراؤها لا خصوص الغلاف مستقلا و لا في ضمن السيف على ان يكون جزء من الثمن في مقابل عين الجلد
لا يخفى عليك بعد الفرض على وجه لا يخطر ببال غير (المصنف) (رحمه الله) خصوصا من كان في عرض الناس من أهل الأسواق الّذين منهم السائل مضافا الى ان هذا خلاف ظاهر شرائها مقدما على بيعها فان الجلود هي التي يشتريها ثم يبيعها و السيوف انّما يعملها و مخالف لظاهر قوله و مسّها بأيدينا و ثيابنا فان الجلود هي التي يسئل عن مسها دون السيوف و الضمائر كلها متطابقة في الرجوع الى شيء واحد
قوله الّا من حيث التقرير الغير الظاهر في الرضا
لانه من قبيل السكوت الذي هو مجمل ساكت عن افادة مقصد من المقاصد الا بعد العلم بانضمام شرائط التقرير بأسرها
قوله نعم ذكر في التذكرة شرط الانتفاع و حليته بعد اشتراط الطهارة و استدل للطهارة بما دل على وجوب الاجتناب عن النجاسات و حرمة الميتة
قال في التذكرة في أوّل الفصل الرابع الذي عقده لبيان شرائط العوضين في البيع ما لفظه و يشترط فيها أمور الأول الطهارة مسئلة يشترط في المعقود عليه الطهارة الأصلية فلا تضر النجاسة العارضة مع قبول التطهير و لو باع نجس العين كالخمر و الميتة و الخنزير لم يصحّ إجماعا لقوله (تعالى) فَاجْتَنِبُوهُ- حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ و الأعيان لا يصحّ تحريمها و أقرب مجاز إليها جميع وجوه الانتفاع و أعظمها البيع فكان حراما و لقول جابر سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) و هو بمكة يقول ان اللّه و رسوله حرم بيع الخمر و الميتة و الخنزير و الأصنام ثمّ تعرض لمسائل كثيرة هي من فروع المقام حتى انهى المقال الى ان قال الشرط الثاني المنفعة مسئلة لا يجوز بيع ما لا منفعة فيه فإنه ليس ما لا فلا يؤخذ في مقابلة المال كالحبة و الحبتين من الحنطة و لا نظر الى ظهور الانتفاع إذا ضم إليها أمثالها و لا إلى انها قد توضع في الفخ أو تبذر و لا فرق بين زمان الرخص و الغلاء و مع هذا فلا يجوز أخذ حبة من صبرة الغير فإن أخذت وجب الرد فان تلفت فلا ضمان لانه لا مالية لها و هذا كله للشافعي أيضا و في وجه أخر لجواز بيعها و ثبوت مثلها في الذّمة و ليس بجيد الى ان قال ما أسقط الشارع منفعته لا نفع له فيحرم بيعه كآلات الملاهي مثل العود و الزمر و هياكل العبادة المبتدعة كالصليب و الضم و آلات القمار كالنرد و الشطرنج ان كان رضاضها لا يعد ما لا و به قال الشافعي و ان عد مالا فالأقوى عندي الجواز مع زوال الصفة المحرمة هذا كلامه (رحمه الله) فاستفاد (المصنف) (رحمه الله) من عد المنفعة شرطا ثانيا في مقابل اشتراط الطهارة و من اعتباره في المنفعة ان تكون محللة كما دل عليه قوله ما أسقط الشارع منفعة لا نفع له و من الاستدلال لاشتراط الطهارة بما دل على وجوب الاجتناب عن النجاسات الّذي هو مسوق لمجرد تحريم المباشرة ان اشتراط الطهارة أمر وراء اشتراط المنفعة و ان انتفاع الاولى لا يوجب سلب الثانية عما من شأنه أن تحصل منه فلا يكون حرمة بيع النجس مستندة الى انتفاء المنفعة و هو خلاف ما قرره (المصنف) (رحمه الله) من ان حرمة بيع النجس انما هي من جهة كونه مسلوب المنفعة و انه إذا ثبت له منفعة جاز بيعه لانتفاء المانع
قوله و الإنصاف إمكان إرجاعه الى ما ذكرنا فتأمل و يؤيده انهم أطبقوا على بيع العبد الكافر و كلب الصيد و علله في التذكرة بحل الانتفاع به
(انتهى) وجه الإرجاع ان النسبة بين نجاسة الشيء و انتفاء المنفعة فيه هي العموم من وجه فتجتمعان في الأبوال النجسة مثلا و تفترق الاولى عن الثانية في العبد الكافر و ينعكس الأمر في الحشرات المحكوم بطهارتها فنقول (حينئذ) ان العلامة (رحمه الله) لما أخر ذكر اشتراط المنفعة عن اشتراط الطهارة أراد بذلك اعتبار اشتراط وجود المنفعة التي ليس مدار انتفائها نجاسة الشيء ضرورة ان من الأشياء ما هو طاهر و مع ذلك لا منفعة له و ان كان لو فرض انه لو كان قد قدم اشتراط المنفعة لم يكن وجه لذكر اشتراط الطهارة لأجل إفادة الاحتراز عن الأشياء التي انتفت منافعها من جهة النجاسة ضرورة ان اشتراط المنفعة (حينئذ) يكون مغنيا عن اشتراط الطهارة فيلزم ان يكون اشتراطها لأمر غير اشتراط كون الشيء ذا منفعة و أراد باشتراط الطهارة الاحتراز عما سلبت منفعة بسبب النجاسة لا عن كل نجس بدليل تعليله جواز بيع كلب الصيد بحل الانتفاع و لا ينافيه التمسك في اشتراط الطهارة بما دل على الأمر بالاجتناب عن النجاسة و تحريم الميتة لأن ذلك يصحّ ان يكون لغرض إفادة ان الشارع إذا أمر بالاجتناب عن شيء أو حرم شيئا فقد أسقط منفعة عن درجة الاعتبار و لم يدع (المصنف) (رحمه الله) أوّلا إلّا إمكان الإرجاع و ان كان قد أيده بعد ذلك بذكره تعليل جواز بيع كلب الصّيد بحل الانتفاع و يعلم من التأييد ان امره (رحمه الله) بالتأمل ليس لتوهين ما ذكره بل للايصاء بالتدبر فيه
قوله و مما ذكرنا من قوة جواز بيع جلد الميتة لو لا الإجماع إذا جوزنا الانتفاع به في الاستقاء يظهر حكم جواز المعاوضة على لبن اليهودية المرضعة بأن يجعل تمام الأجرة أو بعضها في مقابل اللبن فان نجاسته لا تمنع عن جواز المعاوضة عليه
و مثله استيجار الفحل للضراب المقصود منه الماء الذي حكموا بحرمة بيعه من جهة نجاسته ففي اللبن المذكور و ماء الفحل اشكال من جهة نجاستها و قد نصوا على ان استيجار اليهودية للإرضاع مكروه و ان أجرة فحل الضراب (كذلك) فيتوجه السؤال (حينئذ) بأنه كيف جاز ذلك مع عدم صحة بيع شيء منهما لكونه نجسا و المقصود من الاستيجار ليس الّا ذلك المحكوم بنجاسة الممنوع من بيعه و استراح من ذهب الى ان الدخول من الباطن الى الباطن ليس موجبا للنجاسة فيبقى على الطهارة الثابتة له كما عرفت الإشارة إليه من صاحب مفتاح الكرامة (رحمه الله) في مسئلة حرمة بيع المنى و مثله صاحب الجواهر (رحمه الله) حيث قال في باب الرضاع عند قول المحقق (رحمه الله) و لا تسترضع الكافرة بعد استفادة الجواز مع الكراهة من الأدلة و ذكر خبر يدل على منعها من شرب الخمر حال إرضاعها للولد فلا يقدح نجاسة اللبن (حينئذ) انتهى و هو (رحمه الله) و ان لم يذكر الوجه في عدم القدح الّا انه ذكر بعض مشايخنا انه سمع منه شفاها في مجلس البحث ان لبن الكافرة انما ينجس بعد خروجه و اما مع دخوله من الباطن الى الباطن كما عليه الحال عند رضاع الطفل فلا يتصف بالنجاسة فلا ضير (حينئذ) و يشكل الأمر على من يقول بان الدخول من الباطن بمنزلة الخروج في الاتصاف بالنجاسة (كالمصنف) (رحمه الله) فيلزمه ان يقول ببطلان الإجارة ضرورة ان المقصود منها انما هو منفعة العين المستأجرة